عبادة الشكر من القرآن والسنة وأركانه الثلاثة وعلاقته بالإيمان والعقيدة
عبادة الشكر من القرآن والسنة وأركانه الثلاثة وعلاقته بالإيمان والعقيدة، إن أعظم ما يحيي القلب أن يعرف العبد ربه ويؤمن أنه خالقه ورازقه ومدبر أمره وأنه وحده المستحق للعبادة وأنه كلما زادت معرفة الإنسان بالله وأسمائه وصفاته ازداد تعظيما له ومحبة ورغبة في طاعته وكان سببا في الشكر.
والشكر لله تعالى على نعمه العظيمة عبادة من أجل العبادات القلبية والقولية والعملية، والعقيدة الإسلامية ترسي أسس الشكر ومعانيه في قلب المسلم، إذ تقرر أن كل نعمة هي من الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} [النحل: 53].
ويقول الفقهاء إن التوحيد هو أصل الشكر؛ لأن من أعظم معاني التوحيد إفراد المنعِم الحقيقي بالشكر وعدم جحد فضله، ومن هنا كان كفر النعمة (أي جحودها ونسبتها لغير الله) ضربًا من الكفر بالله تعالى، قال تعالى {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]، وعكس الشكر هو كفران النعم وإنكارها، ولذلك قابل الله تعالى الشكر بالزيادة، والكفران بالعذاب، فقال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
التوحيد أساس لشكر النعم
و العقيدة الإسلامية الصحيحة تجعل المسلم يوقِن أن كل النعم من رزق وصحة وعلم وغيرها هي من فضل الله وحده. هذا اليقين يثمر في القلب عبودية الشكر لله.
قال تعالى مخاطبًا بني إسرائيل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3]. فبيَّن أن الرازق هو الله وحده ليستثير شكرهم له. وهكذا فإن توحيد الربوبية – وهو إفراد الله بالخلق والرزق والتدبير – يحمل المؤمن على توحيد الله بالشكر، فلا يشكر قلبُه ولا لسانُه إلا ربه الذي خلقه ورزقه ودبره.
ومن العقيدة أيضًا الإيمان باسم الله “المنعِم” أو “المُحسِن” وبصفة الإحسان المطلق لله، وهذا يعني أن كل إحسان في الكون فأصله من الله، وبالتالي يستحق الحمد والشكر أولًا وآخرًا.
و كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القدوة في شكر ربه، حتى قالت عائشة رضي الله عنها حين رأت رسول الله يطيل قيام الليل حتى تتورم قدماه: " يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟" فقال: (أفلا أكونُ عبدًا شكورًا) رواه مسلم. فمنطلق الشكر هنا هو معرفة فضل الله العظيم واستشعار واجب العبودية له.
الشكر في القرآن والسنة
وجاءت النصوص الشرعية حافله بالأوامر الصريحة بشكر الله، مما يرسخ في قلب المسلم أن الشكر واجب ديني عظيم لا مجرد أمر مستحب. قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]، فقرَن الذكر بالشكر، ودلَّ على أن ترك الشكر بمنزلة الكفر (كفر النعمة). بل جعل الله الشكر غاية الخلق والأمر، فقال: {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114]، أي إن عبودية الله الحقّة لا تتحقق إلا بشكر نعمه. وهكذا يتبين الارتباط الوثيق بين العقيدة (العبادة لله وحده) وبين الشكر؛ فكلما ازداد الإيمان والتوحيد رسوخًا في القلب، ازداد العبد شكرًا لله تعالى. وقد أثنى الله في كتابه على بعض عباده بوصفهم شاكرين، وجعل ذلك من علامات الاصطفاء والفضل، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 120-121]. فوصف خليله بأنه كان شكورًا لنعم الله، واجتباه ربه لهذه الصفة الجليلة. وكذلك نوح عليه السلام {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3]، وفي هذا إشارة عقدية إلى أن كمال العبودية مرتبط بكمال الشكر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بُعثتُ لأتمِّم صالح [وفي رواية: مكارم] الأخلاق) رواه البزار.، ولا ريب أن رأس هذه الأخلاق بعد التوحيد هو شكر المنعِم.
ومن أسمائه تعالى “الشكور”، أي الذي يشكر القليل من العمل ويثيب عليه الكثير، فهو سبحانه سمَّى نفسه شاكرًا وشكورًا لبيان محبته للشكر وترغيبه عباده فيه.
أركان الشكر
وإذا ترسخت الأسس العقدية المذكورة في قلب المسلم، أثمرت في واقعه سلوكًا شاكرًا لله تعالى. فالشكر في حقيقته يقوم على أركان ثلاث ذكرها ابن القيم: "الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانةً، وباللسان ثناءً واعترافًا، وبالجوارح طاعةً وانقيادًا".
فالمؤمن يعترف في قلبه أن المنعِم هو الله وحده (توحيد الربوبية)، ويلهج لسانه بحمد الله والثناء عليه صباح مساء (ذكر وشكر لفظي)، ثم يطيع الله فيما أمره وينفق النعم في مرضاته (شكر عملي).
ومن لطيف ما قيل: "الشكر ترك المعاصي"؛ لأن من شكر نعمة البصر مثلا أن لا ينظر بها إلى حرام، ومن شكر نعمة المال أن لا يُنفقه في باطل.
لذلك كان الشكر حارسًا للنعم من الزوال؛ كما رُوي: "الشكر قيد النعم" (أي يقيّدها عن الهرب)، ومن لم يشكر نعمة كادت تفارقه. وقد جعل الله للشكر أثرًا مباركًا وهو المزيد من الخير، فقال: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، وقال: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147]؛ أي لن يعذب الشاكرين بل يرضى عنهم ويثيبهم. وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يحب من عبده أن يظهر أثر نعمته عليه، فهذا من شكر النعمة. وعكس ذلك أن يستعمل العبد نعم الله في معصيته، فهذا كفرٌ عملي للنعم يؤدي إلى زوالها واستحقاق العقوبة.








