بعد تعدد أضرارها، ما حكم التجارة في الألعاب النارية والمفرقعات واستعمالها؟
ما حكم التجارة في الألعاب النارية والمفرقعات واستعمالها؟ ورد إلى دار الإفتاء المصرية عبر موقعها الرسمي على فيس بوك سؤال عن ما حكم التجارة في الألعاب النارية والمفرقعات واستعمالها في الشوارع والمباريات والمحلات والمنازل حيث تتسبب أحيانًا في اشتعال الحرائق وإتلاف الأموال والأنفس وترويع الآمنين.
وقالت دار الإفتاء في ردها على السائل إنه يَحرُم شرعًا استعمالُ الأفراد المفرقعاتِ والألعابَ الناريةَ لأنها وسيلةٌ لإصابة النفس والآخرين بالأذى النفسي والجسدي والمالي، فهي تنشر الذُّعر والضجيج وإزعاج مستحقي الرِّعاية من الأطفال والمُسِنِّين، بل تعدَّى أثرُها وضررُها ليصل إلى إحداث تلفٍ في الأبدان والأعيان، مثل حوادث الحرائق في الأماكن العامة والخاصة، وإصابة مستعملها والمارِّين بالحروق والجراحات، وغيرها مِن الأذى وأنواع الإصابات، فضلًا عما في استعمالها من إهدار الأموال فيما لا نفع فيه.
ويَحرُم كذلك شرعًا المتاجرةُ في المفرقعات والألعاب النارية باعتبارها إعانةً على الحرام، ومتنافيةً مع تعاليم الإسلام السَّمحة، من رعاية حقوق الناس في السِّلم والأمن على أنفسهم وأموالهم، وحقهم في الطمأنينة وتأمين رَوعاتهم.
إلحاق الضرر بالآخرين
وتابعت دار الإفتاء أن شريعةُ الإسلام قد راعت الإنسانَ الذي هو بُنيان الربِّ عَزَّ وَجَلَّ، وأمرت بصيانته عن كلِّ ما قد يصيبه بالأذى أو يكدِّر عليه صفو معيشته، فحرَّمت الضرر والعدوان، وزكَّت روح المسالَمَة والتعاون على الخيرات في المجتمع، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَر وَلَا ضِرَار» أخرجه الإمامان: أحمد وابن ماجه، وهو أصلٌ في الشريعة الإسلامية، ومُقرِّرٌ للقاعدةِ الكليَّة مِن أنَّ "الضَّرَرَ يُزَال"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام جلال الدين السيوطي.
كما أمرت بنشر السِّلمِ بين الناس كافَّةً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» أخرجه الإمامان: أحمد، والنسائي بلفظه، وله شاهدٌ عند الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».
وعن أبي صِرْمَةَ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللهُ بِهِ، وَمَنْ شَقَّ شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ» أخرجه الأئمة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
حكم استعمال المفرقعات والألعاب النارية
وقالت دار الإفتاء إن المفرقعات والألعاب النارية -محل السؤال- اعتاد الناس استعمالها كما هو مشاهدٌ كوسيلةٍ من وسائل الإعلام والإخبار بحلول مناسبةٍ سارَّةٍ، نظرًا لما تُحدِثُه من أصواتٍ مدوِّيةٍ وألوانٍ زاهيةٍ في السماء، على اختلاف أنواعها وأشكالها.
وقد تقرَّر في الشرع الشريف وجوبُ حفظ النفس عن المهلكات والآفات، بل جعله مقصدًا مِن مقاصده الكليَّة التي جاءت الأحكام لتحقيقها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
قال الإمام أبو حامد الغَزَالِي في "المستصفى" (ص: 174، ط. دار الكتب العلمية): [ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دِينهم، ونَفْسهم، وعَقْلهم، ونَسْلهم، ومالَهُم، فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدةٌ ودفعُها مصلحة] اهـ.
كما أنَّ ترويع الآمنين أذًى مُحرَّمٌ في شرعنا الحنيف، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ رَوَّعَ مُؤْمِنًا لَمْ يُؤَمِّنِ اللهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه الإمام البيهقي في "شعب الإيمان"، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» أخرجه الأئمة: ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود.
إهدار للأموال
واستعمال المفرقعات في تجمُّعات الناس، وفي طُرُقهم، وبين منازلهم، وأماكن سكنهم وسَكِينتهم لا يخلو من الأذى النفسي والجسدي لقاطِنِي تلك الأماكن والمارِّين فيها من رجالٍ ونساءٍ وأطفالٍ، وترويعهم، كما لا يخلو من إحداث إصاباتٍ بمن يستعملها أو بغيره.
فضلًا عما في استعمال المفرقعات على النحو المذكور من إهدار الأموال فيما لا نفع فيه، وهو ضربٌ من ضروب التبذير المَقِيت الذي نهى عنه الشرع الشريف، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27].
وعن المُغِيرَة بن شُعْبَة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» متفقٌ عليه.
وقد نصَّ بعض الفقهاء على صورٍ شبيهةٍ بصرف المال في الألعاب النارية واعتبروها مِن قبيل إضاعة المال، فمن ذلك ما جاء في "شرح منتهى الإرادات" للإمام أبي السعادات البُهُوتِي (2/ 174، ط. عالم الكتب) أنَّ مِن أسباب الرُّشد وحسن التصرف في الأموال: [أن يحفظ كلَّ ما في يده عن صرفهِ فيما لا فائدة فيه، كحرق نفطٍ يشتريه للتَّفرج عليه، ونحوه] اهـ.
ولا يخفى ما بين حرق النفط لمشاهدته وحرق المفرقعات والألعاب النارية مِن الشَّبَهِ، وأنَّ كليهما لا فائدة فيه، بل إنَّ ضرر المفرقعات بما يصدر عنها مِن انتقالٍ للَّهب والشَّرر، ودويِّ الأصوات المُفزعة -أعظم ضررًا وأشد مِن مجرَّد حرقِ النِّفط.
ولَمَّا كان استعمالُ الناس للمفرقعات في الأماكن العامَّة المزدحمة بالناس والأماكن السَّكَنية استعمالًا عشوائيًّا مشتملًا على مفاسد وأضرار بالنفس والمال، وللفرد والمجتمع، فإنه يَحرُم شرعًا المتاجرةُ فيها؛ لِمَا فيها من الإعانة على أوجه الضَّررِ والفساد المُحرَّم.








