دستور العبور.. حين تصبح الحكمة سفينة النجاة
يقول المفكر والمؤرخ الكبير الدكتور جمال حمدان في كتابه الخالد «شخصية مصر»: "مصر لا تنكسر أمام عواصف التاريخ؛ لأن عبقريتها تكمن دائمًا في قدرتها على جمع شتاتها، وتحويل لحظات الانكسار إلى وثبات كبرى للنصر والخلود".
اقتربنا من وداع شمس أكتوبر جديد، والوطن محاصر، بأطواق نارية لا تهدأ؛ أزمات إقليمية ملتهبة تشتعل في كل اتجاه، وضغوط اقتصادية بالغة القسوة ترهق البيوت، وتنهش في أرزاق الناس، وتضع الطبقة المتوسطة في اختبار معيشي هو الأصعب منذ عقود.
وأمام هذا السيل الجارف من التحديات والمخاوف، يقف المجتمع أمام مفترق طرق حاسم، إما أن يستسلم لتيارات الإحباط والشائعات وتآكل الثقة، وإما أن يستحضر المخزون الحضاري المدهش لأبناء الوطن، ويصيغ بوعي وتجرد دستورًا جديدًا للعبور عنوانه الكبير الحكمة هي الحل، والحوار الصادق هو طوق النجاة.
إن المتأمل لأعظم لحظات النصر والصمود في تاريخنا الحديث يدرك يقينًا أن معجزة أكتوبر لم تكن مجرد حرب عسكرية تحطمت فيها أسطورة العدو فوق رمال سيناء، بل كانت في جوهرها ملحمة تضامن وطني فريدة، تجلت فيها عبقرية الجبهة الداخلية يوم أن انصهرت كل الخلافات، وتوحدت الإرادة وراء هدف واحد، في تلك الأيام، لم ينظر المقاتل إلى دين أو مذهب من يحارب بجواره على خط النار، ولم يكن في بيوت الكادحين إلا تقاسم "اللقمة وكوباية الشاي" برضا وصبر وشرف وحب ووعي وقناعة وإيمان.
لم نكن نمتلك حينها ترف وتنوع السلاح كما كان العدو ولا فيض الأموال، لكننا كنا نمتلك عقيدة راسخة بأن هذا الوطن إذا اجتمع أبناؤه على عقيدة راسخة لا تهزمه قوة على وجه الأرض، وعندما تعرض لنكسة في 67 صبر حتى حقق النصر، هذه هي الروح التي نحتاج إلى بعثها اليوم من بين ركام الأزمات في نفوس شعبنا.
إن الخروج من عنق الزجاجة الخانق الراهن يقتضي منا أولًا مصارحة النفس بلا تجميل ولا تهويل ولا تهوين؛ فالأزمات المتلاحقة لا تُدار بالعناد ولا تُحل بالقرارات المنفردة أو الحسابات الصماء، التي تغفل نبض الشارع وهموم الناس وأوجاعهم.
النجاة تبدأ من الجلوس معًا حول طاولة حوار وطني حقيقي، يتسع لكل العقول المخلصة، ويفتح النوافذ أمام أصحاب الرأي والخبرة لإنقاذ الاقتصاد من فخاخ أكلت من لحمه، ويوجه بوصلة الإنفاق لحماية الإنسان البسيط الذي صبر وتحمل حتى كاد صبره أن ينفد وجعل شعار المرحلة الإنسان أولًا قبل أي شيء.
الحكمة تقتضي أن ندرك جميعًا أن قوة الجبهة الداخلية وتماسك النسيج الاجتماعي هما خط الدفاع الأول والأخير عن سيادة مصر وأمنها القومي في وجه رياح الإقليم المسمومة وكل متربص ببلادنا..
لقد علمتنا روح أكتوبر أن كل مانع مهما تضخم طولًا وعرضًا وارتفاعًا يمكن إسقاطه، واستقرار الوطن مستحيل اختراقه حين تجتمع الحكمة والعقل والضمير.
حان الوقت لننزع من نفوسنا شوائب اليأس، ونستبدل بالصخب هنا وهناك حوارًا رشيدًا جادًا، إن الوحدة الحقيقية بإيمان واقتناع ورضا الناس تحمي هذا الوطن العظيم من عواصف الزمان؛ فمصر التي عبرت بحور النار في 73 قادرة اليوم، بحكمة قادتها وتماسك شعبها ووعي نخبتها، أن تعبر كل أمواج الوجع والخوف والقلق، إلى بر الأمان، فلنرفع جميعًا شعار الإنسان أولًا ونجعله واقعًا من لحم ودم.
