رئيس التحرير
عصام كامل

صرخة الرضيع سند.. هل الفقر وحده الجاني؟!

18 حجم الخط

يقول عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: "إن الفقر في ذاته ليس عارًا، وإنما العار كل العار في فقر النفوس وجفاف الضمائر وتخلي الإنسان عن إنسانيته". صفعةٌ واحدةٌ على وجه رضيعٍ لم يتجاوز شهره السادس، كانت كافية لتزلزل ضمير مجتمعٍ بأسره.


فيديو الرضيع سند الذي تناقلته منصات التواصل الاجتماعي وهو يتلقى الضرب والتنكيل في إطار خلافات أسرية انتقامية، لم يكن مجرد مشهد عنف عابر، بل كان جرس إنذار مرعبًا يصرخ في وجوهنا جميعًا إلى أي قاع من القسوة سقطنا؟ وكيف تحولت أقدس غرائز الأرض إلى أداة ابتزاز وتشفٍّ يدفع ثمنها لحمٌ طري لا يعرف شيئًا عن أى شئ؟

 

يتزامن هذا الوجع مع اليوم العالمي للقضاء على الفقر، ومن السهل جدًا أن نلقي باللوم على شماعة الظروف الاقتصادية؛ فالبعض سيسارع للقول إن ضيق ذات اليد وانسداد الأفق هما ما أصاب النفوس بالجنون. لكن الحقيقة التاريخية والاجتماعية تنسف هذا التبرير السطحي؛ فالفقر لم يكن يومًا صانعًا للتوحش، ولا مبررًا لانتزاع الرحمة من الصدور.

 

طوال تاريخنا، عاشت بيوتنا أزمنة من الشدة لم تكن أقل قسوة، ومع ذلك كانت البيوت الفقيرة والمتوسطة هي المعين الذي تفجرت منه ينابيع النبل والكبرياء والعبقرية. خرج طه حسين نفسه من عزلة قرية فقيرة في  مركز مغاغة بالصعيد ومن أسرة متوسطة كابدت شظف العيش، وشاهدنا تفاصيلها صغارًا ونحن نشاهد مسلسل الأيام، هذه الظروف صنعت منه قامة استثنائية ملأت الدنيا وشغلت الناس بفكرها المستنير. 


ومن رحم المعاناة خرج عثمان أحمد عثمان ليؤسس إمبراطورية عمرانية شيدت السد العالي وصنعت تاريخًا غير مسبوق، ومثلهما آلاف الأسماء  الذين خرجوا من  قرى فقيرة وحارات مستورة، لم تكن تعرف الترف، لكنها كانت عامرة بالدفء الأخلاقي والتماسك القيمي.

 

ولكن للوضوح والإنصاف فالمأساة الحقيقية تكمن في اقتران ضغوط المعيشة وسعار الأسعار والتضخم  بفقر الروح والضمير؛ لقد تعرضت الأسرة المصرية -وتحديدًا الطبقة المتوسطة التي كانت صمام أمان لثوابت المجتمع- لعمليات تجريف ممنهجة وغير مسبوقة.

 
فحين يُسحق المواطن تحت وطأة الغلاء ويفقد قدرته على الستر، تنفجر بعض النفوس الهشة في وجه الحلقة الأضعف. والأبشع من ذلك هو تسليع المشاعر وتحويل الأطفال والرضع  إلى كارت ضغط ورهينة نزاع بين زوجين، لتوثق كاميرات الموبايل الجريمة في لوثة رقمية مريضة تبلدت فيها الفطرة الإنسانية وتحتاج لدراسات نفسية لوقف استمرارها.

 

إن المجتمعات قد تصبر على الجوع، وتتجاوز المحن الاقتصادية بالعمل والصبر والشرف، لكنها تنهار إذا تآكلت براءتها وسقطت منظومة خلقها ؛ فليست الأزمة في نقص الموارد بقدر ما هي في شح العواطف وانعدام الرأفة، والكارثة هي عندما يجتمعان.

دموع الرضيع سند وصراخه المكتوم الذى ابكى قلوبنا  تحت وقع الصفعات ليست واقعة تُطوى بمحضر شرطة،ولا بلاغ لنجدة الطفل، بل مرآة مرعبة لحالنا؛ والسؤال الأسود عندما يكبر هذا الرضيع المهان، الذي رضخ للقهر قبل أن يتعلم النطق، ويشاهد الفيديو الجريمة هل سيكون سندًا لمجتمعه وبارًّا ببلاده.. أم سيتحول إلى سوط انتقام يجلدنا جميعًا بما جنيناه في حق طفولته المنتهكة؟!

الجريدة الرسمية