رئيس التحرير
عصام كامل

لا تتركوا "لينا" وحدها!

18 حجم الخط

تقول أسطورة السينما العالمية كاثرين هيبورن "التمثيل هو أسمى ملاذ للروح، والمأساة الحقيقية للفنان ليست في تقدم سنوات عمره، بل حين يُسدل الستار عليه مبكرًا والجمهور ما زال ينتظر منه كلمة". اليوم، ومع شروق شمس العاشر من أكتوبر، تبدأ الفنانة الكبيرة شيرين عامًا جديدًا من عمرها.


سنوات طويلة  من البراءة، والبهجة، والصدق الإنساني النادر. شيرين لم تكن يومًا ممن يختبئن خلف مساحيق زيف أو يخفين سنوات أعمارهن؛ فسنوات عمرها الفني وسام استحقاق نُقش في وجدان أجيال متعاقبة، فهي تدرك كما جمهورها أن الموهبة الحقيقية كالعطر العتيق النادر، كلما طال به العمر زاد فوحانه عمقًا وسحرًا وأصالة ومازالت تحتفظ بنضارة لا تغيب أبدا.

 

من منا يستطيع أن يسقط من ذاكرته "لينا" في درة  المسرح "المتزوجون"؟ تلك الفتاة الأرستقراطية التي أطاحت بفوارق الطبقات بابتسامة عذبة ورقة آسرة، وصنعت مع الراحل سمير غانم أيقونة كوميدية وإنسانية ستظل حية ما بقي في المسرح نبض ونفس.

 

لكن اختزال شيرين في شخصية واحدة أو ومضة مسرحية هو ظلم بين لمسيرة عطاء استثنائية؛ فالأوراق والأرشيف الخاص الذي اطلعتُ عليه وموثق فى مائة البوم صوريكشف عن رصيد هائل تجاوز سبعمائة عمل وإسهام فني، توزعت بين خشبة المسرح، وشاشة السينما، واستوديوهات الدراما، وعشرات المسلسلات والسهرات الإذاعية والتلفزيونية التي لم ترصدها قواعد البيانات الجافة وظلت محفورة في ذاكرة البيوت المصرية والعربية. تاريخ بناه انضباط صارم وخلق رفيع واحترام عميق للجمهور.

 

وحتى في السنوات الماضية، ورغم قلة ما يُعرض عليها مقارنة بطاقتها وتاريخها، ظلت شيرين علامة جودة لا تخطئها عين؛ فحين تطل على الشاشة تخطف الكاميرا بوهج خاص لا ينافسها فيه أحد. ألم تكن الجدة المفعمة بالطاقة والبهجة في فيلم أعز الولد وسط كوكبة من النجمات كصديقتيها ميرفت أمين ودلال عبد العزيز؟ 

ألم تعد رسم شخصية الحماة المعاصرة بخفة ظل أرستقراطية وأداء عبقري أسر الجمهور في مسلسلات ناجحة مثل أشغال شقة وبابا وماما جيران والكثير من مسلسلاتها الاجتماعية الأخيرة؟ شيرين تثبت في كل مشهد أن الكبار حين يحضرون، تكتسب الدراما روحها الحقيقية وطعمها الأصيل.

 

المفارقة المؤلمة أن شيرين تنتمي إلى طليعة الكبار النبلاء؛ لا تجيد حسابات العلاقات العامة، ولا تتقن لغة التودد، ولا تعرف كيف تساوم على كبريائها في سوق أربكته فوضى الترند وسطوة الأرقام الجوفاء. وقضيتنا هنا ليست البحث عن أدوار لممثلة شبعت فنًا ونجاحًا وتصفيقًا، فالكبار أبدًا لا يستجدون عملًا ولا يقفون في طوابير الانتظار؛ بل القضية هي هذا الإهدار لثروة فنية حية، والخسارة الحقيقية تقع على عاتق الصناعة التي تحرم شاشاتها من خبرات متراكمة تمنح الأعمال ثقلها ووقارها.

 

إن صناعة الفن التي لا تكتب نصوصًا خصيصًا على مقاس خبرات وقيمة وقدر كبارها هي صناعة تُفقر وجدانها بيدها؛ فالنضج هو المنطقة الأكثر سحرًا وإلهامًا في حياة أي فنان في العالم، وشيرين في قمة تألقها الإنساني والإبداعي.

في يوم ميلادك يا شيرين، لا نهديكِ مجرد أمنيات تقليدية، بل نوجه تحية إجلال لمسيرة نقية وموهبة لم تلوثها حسابات السوق. ستظلين النجمة الساطعة بأخلاقك، الخالدة في ذاكرة وطن أسعدتِ ملايينه؛ ومن حقنا- نحن جمهورك وعشاق فنك- أن نرى هذا العطر يملأ شاشاتنا دائمًا،  ولن نترك "لينا" أبدًا وحدها.

الجريدة الرسمية