رئيس التحرير
عصام كامل

في يوم المنصورة.. مهندس العبور ونسور السماء!

18 حجم الخط

يقول القائد العسكري الإغريقي ثوسيديديس: "سر السعادة هو الحرية، وسر الحرية هو الشجاعة.. والتاريخ لا يصنعه إلا أولئك الذين يملكون الجرأة على النصر".

في ذاكرة العسكرية المصرية صفحات مضيئة، ولكن ليس هناك يوم تتجسد فيه المعجزة كما تتجسد في الرابع عشر من أكتوبر 1973، لم يكن مجرد يوم عابر في مسار حرب العبور، بل كان موعدًا قدريًا تلاقت فيه أسطورة الأرض بجسارة السماء، وتوحدت فيه الجغرافيا مع دماء الرجال في ملحمة فريدة بطلها اسم واحد ومدينة واحدة: المنصورة. 


في ظهيرة ذلك اليوم المشهود وكان يوافق (18 من رمضان)، كانت سماء الدلتا مسرحًا لأطول وأشرس معركة جوية ملحمية في تاريخ الحروب الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية؛ ثلاث وخمسون دقيقة كاملة تحولت فيها سماء مدينة  المنصورة وتحديدًا قاعدة شاوة إلى إعصار من اللهب والمناورات المدهشة، أكثر من مائة وستين طائرة إسرائيلية جاءت في محاولة بائسة لكسر هيبة العمق المصري..

هكذا تصور البلهاء، فاصطدمت بنسور اللواء الجوي 104 ومقاتلات الميج 21 وبأطقم فنية أعادت تسليح الطائرات على الأرض في دقائق معدودة، لتلقن العدو درسًا قاسيًا أسقط غرور سلاحه وجعل من 14 أكتوبر عيدًا خالدًا للقوات الجوية المصرية.

 

لكن القدر، الذي خط ملحمة السماء فوق أرض المنصورة، كان يكتب في نفس الساعات فصلًا آخر من فصول الخلود على ضفة القناة؛ فصلًا بطله ابن المنصورة البار، ومهندس العبور الأسطوري الشهيد اللواء أركان حرب أحمد حمدي.

ولد أحمد حمدي في حواري المنصورة العريقة، وتحديدًا في سوق الشناوي، وتشربت روحه طفلًا من ذاكرة مدينته التي أذلت لويس التاسع في دار ابن لقمان. 
 

ابن الدقهلية الذي جمع بين دقة العقل الهندسي وشجاعة المقاتل الفدائي، كان هو العقل الذي أعاد هندسة المستحيل؛ خفّض زمن تركيب الجسور العائمة تحت وابل النيران من 74 ساعة إلى بضع ساعات، وابتكر أبراج الرصد، وصمم كباري الالتفاف على موانع النابالم، حتى لقبه رفاق السلاح بـ "صاحب اليد النقية".

 

وفي صباح الأحد 14 أكتوبر، حين كانت سماء مدينته الأم تتهيأ لمعركتها الكبرى، كان القائد أحمد حمدي يرفض البقاء في المخابئ الخلفية، واقفًا وسط جنوده عند قطاع الشط يثبت مفاصل الجسور بنفسه تحت جحيم القصف. 
وحين أفلتت بعض الكتل الحديدية بفعل التيارات المائية مهددة بعزل قواتنا في الشرق، لم يتردد؛ قفز إلى برمائية وقادها بنفسه في جسارة ليحمي شريان العبور، وعاد ليواصل تثبيت الجسر حتى نالت منه شظية غادرة من عدو جبان، ليرتقي صائمًا شهيدًا وسط رجاله. 


يا لها من مصادفة تعجز عن نسجها حتى روايات تولستوي! في نفس اليوم الذي تصد فيه المنصورة عدوان السماء ببطولة وتسطر أطول معارك الجو، يودع ابنها أحمد حمدي عالمنا شهيدًا فوق مياه القناة، مؤمنًا بأصابعه النقية شرايين النصر لجيش بلاده. 


لم يكن أحمد حمدي مجرد جنرال يقود سلاح المهندسين، بل كان المعبر ذاته؛ لذلك لم يكن غريبًا أن يخلد اسمه في أول نفق يشق أعماق القناة ليربط قلب مصر بسيناء، ليبقى كما كان دائمًا، الجسر الذي لا ينكسر، والروح التي تعبر بالوطن من الظلمة إلى الضياء.

سلامٌ على سماء المنصورة ونسورها، وسلامٌ على ابنها الشهيد أحمد حمدي؛ ففي 14 أكتوبر لا نحيي ذكرى معركة أو استشهاد بطل، بل نحتفي بعقيدة وطن أثبت للعالم أن الأرض التي تلد مثل هؤلاء الرجال لا تُهزم أبدًا، التحية لقواتنا المسلحة وتعظيم سلام لقواتنا الجوية، والمجد للشهداء. 

الجريدة الرسمية