رئيس التحرير
عصام كامل

أشجار الوفاء في شقة المنيب!

18 حجم الخط

في زمن تتباعد فيه المسافات وتجف فيه مشاعر كثيرة تحت وطأة الحياة اليومية الصاخبة، تأتي لحظات استثنائية تعيد إلينا الإيمان بدفء الإنسانية وقيمة العشرة، قبل أيام، كنت شاهدًا على واحدة من تلك اللحظات البديعة في حفل توقيع الرواية الجديدة للكاتب والروائي أشرف عبد الشافي، والمعنونة بـ "شقة المنيب".

 

لم يكن المشهد مجرد مناسبة ثقافية عابرة أو احتفاء تقليدي بإصدار أدبي جديد، بل كان تظاهرة حب حقيقية، أورقت فيها أشجار الوفاء وظللت كل الحاضرين في نقابة الصحفيين  بمشاعر نادرة قلّما نراها مجتمعة في مكان واحد في زمن الوجع، نعم تقطع الأشجار في الشوارع وتنبت في حفل توقيع كتاب.

 

حضور المكان ويمكن وصفه بجمهور استثنائي جمع بين نخبة من كبار الكتّاب، والصحفيين، والفنانين، وعشاق الكلمة من مختلف الأجيال. كانت العيون تفيض بصدق المشاعر، والأيادي تتشابك بحرارة المحبة، في مشهد جسّد أسمى معاني التقدير لمسيرة مبدع أخلص لقلمه وكلمته.

 

وأكثر ما لمس شغاف القلب ملامح أشرف نفسه؛ فقد بدت فرحته الغامرة بهذا الالتفاف الجميل، وتلك العيون التي جاءت لتقول له "نحن معك وبك فخورون"، أجمل وأعمق ربما من فرحته بكل أعماله الأدبية، وحتى قبعته الشهيرة، التي اعتاد أن يُخفي تحت حافتها شيئًا من ملامحه، فشلت هذه الليلة تمامًا في حجب ابتسامة عريضة كانت تشع بنور الفرح ودفء الامتنان.

 

إذا كان الوفاء هو العنوان الرئيس لتلك الليلة، فإن الابتسامة كانت بلا شك عنوانها الفرعي الأجمل والأكثر إشراقًا، كأنما اتفق أشرف وجمهوره على السير في دروب الحكمة الخالدة التي خطها كبار الأدباء عبر التاريخ؛ فتذكرنا ويليام شكسبير حين رأى أن "الابتسامة في وجه المصاعب تهزم الحزن"، واستعدنا جابرييل جارسيا ماركيز  في وصيته الدافئة "لا تتوقف أبدًا عن الابتسام، حتى وإن كنت حزينًا، فلربما فُتن أحدهم بابتسامتك".. 

كما سرت في الأرجاء روح أديب نوبل نجيب محفوظ بإيمانه العميق بأن "الابتسامة هي الباب الملكي لقلوب الناس والترياق الوحيد لقسوة الزمان"، وصولًا إلى بساطة وعفوية  أحمد خالد توفيق في تذكيره الدائم بأن "الابتسامة الصادقة هي الشيء الوحيد المجاني الذي يمنحنا دفء العالم كله".

 

هكذا التقت أرواح هؤلاء العظماء في ابتسامة أشرف العريضة، وابتسامات الحاضرين التي كسرت وقار الرسميات وجعلت المكان بستانًا مفتوحًا للفرح العفوي.. كان الاحتفاء بالرواية مدخلًا للاحتفاء بالإنسان، فالوفاء في الوسط الثقافي والصحفي لم يعد عملة نادرة فحسب، بل أصبح أشبه بشجرة وارفة تحتاج لسنوات طويلة من النبل والتواضع حتى تطرح كل هذا الدفء.


رأيت في العيون رغبة حقيقية في رد الجميل لكاتب لم يتلون ولم يفقد بساطة ابن البلد وجدعنته المعهودة، وظل مخلصًا لحكايات الناس المهمشين وأحلامهم وأوجاعهم.. شقة المنيب ليست مجرد جدران ورقية شيدها خيال روائي، بل أصبحت رمزًا لذلك البيت المفتوح بالحب، الذي يتسع لكل القلوب المخلصة.

خرجتُ من الحفل وأنا أشعر بأن الأمل لا يزال حيًا وممكنًا، طالما وُجد بيننا من يكتب بالروح، ومن يقرأ بالقلب، ومن يقطع المسافات ليمد يده بمحبة صافية ويقول لصديقه: مبروك يا أشرف.. وأهلًا بك دائمًا بيننا، فمكانك لم يكن يومًا فوق رفوف الكتب وحدها، بل يظل محفوظًا في قلوبنا برصيد هائل من الحب والوفاء، الود والوفاء حولا "شقة المنيب" لقصر بديع.

الجريدة الرسمية