رئيس التحرير
عصام كامل

شجيرات تغيب وريشة تعيش..

في رثاء مرقد سيد عبد الفتاح

18 حجم الخط

في الذكرى السادسة عشرة لرحيله، لا يتوقف الألم عند حدود الفقد المعتاد، بل تتجاوزه إلى صدمة محو الأثر، كبير الرسامين الصحفيين بـ"أخبار اليوم"، الفنان والإنسان سيد عبد الفتاح، الذي خلد بريشته ملوكًا ورؤساء وحوادث وأحداث، يواجه اليوم غيابًا لمرقده في مقابر السيدة عائشة.


قصة صداقة امتدت لعقود، تنتهي أمام مشهد سريالي تتساقط فيه شجيرات الذكريات تحت وطأة التغيير، في زمن يغتال الشجر والحجر ورفات الموتى، ولا يترك لنا سوى الأمنيات بلقاء أخير في رحاب الخلد.

هناك أصدقاء لا تقاس أعمارهم بالسنين، بل بعمق البصمة التي يتركونها في أرواحنا، كان الفنان الكبير سيد عبد الفتاح يكبرني بثلاثة وعشرين عامًا، لكن هذا الفارق الزمني تلاشى تمامًا منذ أن التقت أرواحنا، وتحديدًا منذ أن خطّ بريشته غلاف كتابي الأول عام 1988.

 

لم يكن مجرد فنان أو كبير للرسامين الصحفيين في مؤسسة "أخبار اليوم"، بل كان أيقونة تمشي على قدمين، ريشته العبقرية لم تكن مجرد أداة لرسم الشخصيات والأحداث، بل كانت عصا سحرية تخلّد كل من تلامسه؛ حتى أن رؤساء وملوكًا، وكتابًا وفنانين كبارًا، كانوا يشعرون بزهو خفي حين يدركون أن ريشة "سيد عبد الفتاح" قد وثقت ملامحهم وحفظتها في ذاكرة  الزمن.

 

اقتربنا كثيرًا، فصار الصديق، والأخ، والرفيق، ولعل من ألطف أقدار الله بنا أن كانت رحلته الأخيرة برفقتي إلى المسجد الحرام والمدينة المنورة، قبل وفاته بأسابيع قليلة. كانت لحظات مشبعة بالسكينة، وكأنها وداع روحي صامت عُقدت مراسمه في رحاب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، لتطمئن الروح وتستعد لرحلتها الكبرى.

 

رحل "سيد عبد الفتاح "، لكن اللقاء بيننا لم ينقطع، طوال ستة عشر عامًا، كانت مقبرته المحفوفة بأشجار الصبار وشجيرات خضراء في منطقة السيدة عائشة بالقاهرة، هي الملاذ. لم أكن أزوره لأقرأ الفاتحة وأدعو له فحسب، بل كنت أذهب لأتحدث معه، أشكي له ثقل الأيام، وأبكي على عتبات صمته المريح. كانت تلك الرقعة الصغيرة من الأرض هي مساحتنا الخاصة، حيث تتلاقى أرواحنا بعيدًا عن صخب العالم.

 

واليوم، تأتيني الذكرى السادسة عشرة لرحيله مثقلة بصدمة تفوق قدرتي على الاستيعاب. ففي زيارتي الأخيرة لمرقده، بحثًا عن بوح جديد وسكينة معتادة، اقترب مني حارس المقبرة ليقطع خلوتي بخبر ثقيل؛ أخبرني أنه قد تقرر إزالة مكان لقاءاتنا الأخير، ضمن خطة لاقتطاع وإزالة أكثر من 70 مترًا من حد طريق صلاح سالم.


هكذا وبجرة قلم، مقابر عمرها عشرات السنين، بتاريخها وعبقها، تغيب معالمها في تغير غامض جديد، ولن يكون مرقد سيد عبد الفتاح هو الوحيد، فبجواره يرقد جاره الشاعر الكبير أحمد رامي، وكلاهما يواجه مصيرًا تتغير فيه ملامح الذاكرة لصالح الأسفلت أو البزنس كما يشاع ف140 مترا من الجانبين أي طريق سيحتاجهم؟!


تمنيتُ طويلًا أن تتوقف إزالة الأشجار، أن يحتفظ التاريخ بمكانه، لكن أشياء كثيرة نتمناها في هذا الزمن الذي تسيطر عليه حالة من الكآبة القسرية، ولا تتحقق. وهنا تحضرني مقولة شديدة الإنسانية للروائي العظيم جبرييل جارسيا ماركيز، حين قال: "الموت لا يجيء مع الشيخوخة، بل يجيء مع النسيان". وما يحدث اليوم يفرض تحديًا مؤلمًا ومرعبًا على ذاكرة لا تريد، ولا يجب، أن تموت.

أمام هذا الواقع الأسود، لا أملك سوى الكلمات، وأمنيات ورجاءات أرفعها للسماء، ولا أقول لمسؤول فلا أحد يسمع اليوم لصوت الحكمة أو الحق والخيروالجمال، أتمنى أن يبقى جسدك يا صديقي مرتاحًا في قبره، وأن يجعله الله روضة من رياض الجنة، لتستمر لقاءاتنا الروحية بعيدًا عن تقلبات الأرض..  

أما إذا ماتت أمنية أن يتركوا قبرك آمنًا، فليكن عزائي وطمعي في كرم ربي، أن نلتقي هناك.. كما التقينا في الحرم المكي وعند الحبيب  المصطفى صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة في الدنيا، أن نلتقي غدًا أو بعد غد عندما يأتي موعد اللقاء عند حوضه المورود في الجنة، حيث لا قرارات إزالة لمقابر، ولا أنين شجيرات ولا دموع  تسيل من نبات الصبار ولا غياب، ولا فراق، لنرتاح من وجع طال، نسألكم  بقيمة وتاريخ هذا الوطن.. كفاية وجع.

الجريدة الرسمية