رئيس التحرير
عصام كامل

إيران على حافة الهاوية

18 حجم الخط

تبدو إيران هذه الأيام كأنها تمشي فوق خيط رفيع مشدود بين ماضٍ مضطرب، وحاضر غاضب، ومستقبل يتشكل تحت وطأة الاحتجاجات والاشتباك الإقليمي والضغوط الدولية.. هناك دول تعرف كيف تخفي أزماتها في دهاليز السياسة ودواليب البيروقراطية، وثمة دول تنكشف أزماتها على شكل دخان أسود في الشوارع؛ وإيران الآن تنتمي للفئة الثانية. 

 

بلدٌ يختنق من الداخل، ويواجه تحديات غير مسبوقة من الخارج، ويندفع في مسار تتجاور فيه الانفجارات الاجتماعية مع الحسابات العسكرية الحساسة، وتختلط فيه حرارة البازار الكبير الملتهب ببرودة غرف التفاوض في فيينا ونيويورك وموسكو، وفي قلب هذه اللحظة، يمكن أن نرى ملامح دولة تحاول استعادة نفسها، بينما يتسع الشرخ بينها وبين مجتمعها، في تناقض لا تخطئه العين.


غضب البازار.. الشرعية تهتز من القاعدة التجارية

الانفجار الأخير لم يكن وليد ليلة عابرة، ولا نتيجة خطاب مستفز أو حادث فردي، بل حصيلة تراكمات ثقيلة امتدت لسنوات، فالمجتمع الإيراني يعيش منذ فترة طويلة داخل معادلة شديدة القسوة: اقتصاد محاصر يرزح تحت العقوبات، وسوق سوداء تنمو على حساب الطبقات الشعبية، وريال يتهاوى بلا رحمة، حيث يقترب سعر الدولار الواحد من مليون ريال، وأسعار ترتفع كأنها تسابق الزمن، وفساد مستتر يطل برأسه من خلف شبكات معقدة يديرها مسؤولون ووسطاء وتجار عقوبات.


وفي قلب هذه المعادلة، يتم إقناع المواطنين بأن الصبر فضيلة وطنية، وأن التضحية ثمن السيادة، لكنّ الشعوب، مهما طال صبرها، لا يمكنها أن تصمد أمام جوعٍ يومي يعصف بهم، ولا أمام مستقبل تلتهمه الأزمات.


وهذا ما حدث في البازار الكبير، فحين خرج التجار في طهران، بدا المشهد أشبه بجرس إنذار سياسي لا اقتصادي فقط، فالبازار، منذ الثورة الإسلامية عام 1979، كان بمثابة الظهير الاجتماعي الذي ساند الدولة في لحظات صعبة، كان بمثابة القلب التجاري للجمهورية الإسلامية، الذي يوفر شرعية ناعمة لآيات الله أو الملالي تُكمل الشرعية الثورية والدينية. 

 

ولذلك فإن تحركه الآن لم يكن مجرد إضراب على الضرائب أو الغلاء، بل كان التعبير الأكثر خطورة عن سحب الثقة من قدرة الدولة على إدارة الأزمة، وحين يفقد النظام دعم الأسواق التقليدية، يصبح كمن يفقد الركن الذي كان يستند إليه ليثبت أنه لا يزال ممسكًا بالمشهد الداخلي.


جغرافيا الغضب: من طهران إلى أقاصي المحافظات

انتشرت الاحتجاجات بسرعة لافتة، وتحولت من غضب محدود إلى موجة وطنية اجتاحت المدن الإيرانية من مشهد شمالًا إلى بندر عباس جنوبًا، تشير الإحصاءات الحقوقية إلى 185 مدينة شاركت في الاحتجاجات، وما يزيد على 574 نقطة اشتباك، وهو رقم لا يعكس مجرد اتساع جغرافي، بل يعكس أنّ الشرارة أصابت طبقات اجتماعية مختلفة. 

 

لم يعد الحراك حكرًا على الطلبة أو الطبقة الوسطى، بل دخلت فيه فئات كثيرة: التجار، والعمال، والشباب العاطلون، والنساء. المدن الصغيرة دخلت على الخط أيضًا: لردغان، ملكشاهي، أزنا، نيريز… وهذه المدن غالبًا ما كانت بعيدة عن مركز الاحتجاجات السابقة، ما يعني أن الأزمة لم تعد أزمة هوامش أو مركز، بل أزمة وطنية شاملة.


رئيس على الحافة: خطابان في خطاب واحد

في ظل هذا المشهد، حاول الرئيس مسعود بيزشكيان أن يمسك بالخيط الممزق من الشرعية، فخرج بخطاب أراد له أن يبدو هادئًا، لكنه حمل في داخله ارتباكًا واضحًا. تحدث عن أعداء يسعون لزرع الفوضى، وعن إرهابيين اندسوا بين المتظاهرين، لكنه في الوقت ذاته اعترف بأن هناك مشكلات اقتصادية حقيقية تحتاج لمعالجة.. 

 

كان بيزشكيان كمن يخاطب جمهورين في آن واحد: الأول داخلي يريد تهدئة الشارع، والثاني داخل مؤسسات الحكم، يريد طمأنة الحرس الثوري والبرلمان بأن السلطة لا تزال ممسكة بالخيوط. لكن الخطاب بدا كمن يحاول ترميم جدار يتساقط غباره تحت يديه، فحين تستخدم الدولة لغة المؤامرة طوال الوقت، تفقد القدرة على تفسير ما يحدث بلغة الواقع.

أما وزارة الداخلية فبدا بيانها كأنه محاولة لتجميل الصورة. الوزير إسكندر مؤمني قال إن الاضطرابات انحسرت، وإن القوات الأمنية تمارس أقصى درجات ضبط النفس.. 

 

لكن الشوارع، بكل ما ظهر فيها من صور وحرائق ومواجهة، لم تكن تتفق مع هذا الخطاب الرسمي. التناقض بين الرواية الحكومية والرواية الميدانية يعكس فجوة أكبر: الدولة لم تعد قادرة على فرض روايتها، ولا الشارع أصبح قابلًا لتصديقها.


أمريكا وإسرائيل على خط الاحتجاجات

لكن المفاجآت لا تأتي من الداخل فقط، بل من الخارج أيضًا، الولايات المتحدة دخلت على خط الاحتجاجات بتصريحات حادة، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال إن الشعب الإيراني يتطلع إلى الحرية، وأن واشنطن مستعدة للمساعدة. 

 

هذه ليست لغة رومانسية، بل هي جزء من حسابات القوة، فواشنطن تدرك أن أي ضغط داخلي على النظام قد يمنحه فرصة أقل للمناورة في الملف النووي والملفات الإقليمية، إنها لعبة قديمة، لكنها تعود الآن بطاقة جديدة، في لحظة يتعرض فيها النظام لهزة داخلية غير مسبوقة منذ احتجاجات 2009.


إسرائيل أيضًا تراقب، رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو تحدث عن شجاعة الإيرانيين، وهي رسالة دعم معنوي للشارع، وإشارة إلى أن تل أبيب تقرأ الاحتجاجات باعتبارها فرصة استراتيجية لتقليص نفوذ طهران الإقليمي. 

 

فإيران، التي بنت شبكات نفوذها في لبنان وسوريا واليمن والعراق، قد تجد نفسها مضطرة لتقليل تدخلاتها الخارجية إذا زادت الضغوط في الداخل، وتاريخيًا، فإن أي قوة إقليمية تفقد استقرارها الداخلي لا يمكنها الاحتفاظ بسطوتها الخارجية بالوتيرة نفسها.


البرلمان يهتف.. والدولة تتوجس

وبينما تتفاعل هذه الدوائر كلها، جاء المشهد الأكثر إثارة في البرلمان الإيراني، حين هتف بعض النواب الموت لأمريكا، واقتربوا من المنصة في لحظة توتر سياسي تعكس عمق الأزمة.

رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو أحد أبرز وجوه المؤسسة العميقة، تحدث بحدة لم يعتد عليها الخطاب الإيراني الداخلي. قال إن الجيش الأمريكي وإسرائيل أهداف مشروعة في حال أي هجوم، وتحدث عن رد استباقي محتمل، هذا التصعيد لا يُقرأ بمعزل عن الداخل، بل باعتباره محاولة لرفع سقف التهديد بهدف إعادة ضبط الرأي العام المذعور. 

 

الأنظمة عادة تلجأ إلى خطاب الأمن القومي حين تتراجع شرعيتها المدنية. إنها محاولة لإلصاق الأمر تمامًا بعدو خارجي يعيد لُحمة الداخل، لكن التاريخ يقول إن هذا النوع من الخطاب قد يشتري وقتًا، لكنه لا يعالج الأزمة.


ومن مفارقات المشهد أن تلك الليلة التي قالت فيها القنوات الرسمية إن الشوارع هادئة، نقل الإعلام صورًا لآثار حرائق وتحطيم سيارات ومنشآت في طهران. أما في إسرائيل، فقد وصفت القناة 12 تراجع الاحتجاجات بـ الأمر المؤسف، في تعبير يكشف بوضوح مدى توظيف الاحتجاجات في الخطاب الإسرائيلي.


حرب الظل: من ستارلينك إلى الكشف عن العملاء

وفي الخلفية، كان هناك بُعد آخر أكثر تعقيدًا: حرب إلكترونية على مستوى الأقمار الصناعية. فقد أعلنت مصادر إيرانية أن طهران تمكنت من التشويش على أقمار ستارلينك التي كانت إسرائيل طلبت من رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك تشغيلها لصالح المحتجين. 

 

المشهد هنا يبدو كأنه فصل من حرب الظل: نظام يستخدم قدراته الإلكترونية بمساعدة روسية وصينية لإغلاق نافذة الاتصال بين المحتجين والعالم، وهو ما أدى إلى كشف عدد من العملاء المحليين الذين كانوا يستخدمون أجهزة استقبال مخفية، هذا الصراع الإلكتروني لا يقل أهمية عن الصراع في الشوارع، لأنه يعكس محاولة الدولة منع الاحتجاجات من التحول إلى ثورة شبكات مفتوحة، كما حدث في دول أخرى.


شارعان داخل دولة واحدة.. ماذا سيحدث؟

لكن ما يكشف هشاشة الشرعية أكثر من أي شيء هو أن قوى سياسية داخل إيران دعت إلى مظاهرات ضخمة مؤيدة للنظام ولرفض التدخل الأجنبي، وهو ما يعني أن الدولة باتت تحتاج إلى دعم الشارع ضد جزء آخر من الشارع، هذا النوع من الانقسام يعكس تحوّلًا خطيرًا: لم تعد الأزمة بين سلطة ومعارضة، بل بين روايتين شعبيتين تتصارعان حول معنى الدولة ومستقبلها.


الأزمات الأربعة: الاقتصاد.. الثقة.. الشرعية.. ورؤية الذات

يمكن القول إن إيران تواجه أربعة مستويات من الأزمة: أزمة اقتصادية، وأزمة ثقة، وأزمة شرعية، وأزمة تصور للذات. الاقتصاد المنهك بفعل العقوبات وغياب الإصلاحات يضغط على الشارع بلا توقف، الثقة بين المواطنين والمؤسسات تكاد تكون معدومة، الشرعية القائمة على الثورة لم تعد تقنع جيلًا وُلد بعد عام 2000 ولم يرَ فيها سوى تاريخ يُستخدم لتبرير الحاضر. وتصوّر الدولة لنفسها كقوة إقليمية كبرى بات يتصادم مع واقع داخلي هش، يصعب إخفاؤه.


ما بعد الغبار: إيران التي لن تعود كما كانت

تبدو السيناريوهات الخاصة بمصير الأحداث في إيران مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن من شبه المؤكد أن إيران لن تعود كما كانت قبل هذه الموجة، من المحتمل أن تنجح الحكومة في قمع الحراك مؤقتًا، لكنّ الأسباب التي أنتجته لا تزال قائمة، ومن الممكن أن تلجأ النخبة الحاكمة إلى إجراء إصلاحات محدودة لامتصاص الغضب، لكن هذا النوع من الإصلاح يكون عادة تجميليًا لا جوهريًا.

 

ويمكن أيضًا أن تلجأ الدولة إلى توسيع دائرة التصعيد الإقليمي لتحويل الأنظار بعيدًا عن الداخل، لكن هذا قد يكون أشبه بالمغامرة الخطرة في لحظة تتطلب عقلانية وإعادة تقييم.


ما يحدث في إيران اليوم، في جوهره، ليس مجرد احتجاجات، بل هو سؤال عميق حول قدرة الدولة على إعادة إنتاج عقد اجتماعي جديد، فالشعارات القديمة لم تعد تكفي، والخطاب الثوري لا يقنع جيلًا يعيش تحت ضغط التضخم والبطالة والأفق المغلق..

وهناك حقيقة لا تستطيع الدولة تجاهلها: الشرعية لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا بالإعلام وحده، ولا بالخطاب وحده. الشرعية هي علاقة ثقة، وهذه الثقة الآن في أدنى مستوياتها منذ عقود.


التاريخ يفتح صفحته.. فهل تفتح إيران بابها؟

قد يستعيد نظام المرشد علي خامنئي الشوارع لبعض الوقت، وقد تُخمد النيران، لكن الأسئلة ستظل مشتعلة تحت الرماد. ومهما حاولت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إغلاق النوافذ، ستظل رياح التغيير تتسلل من الشقوق الصغيرة. وبينما يتجادل العالم حول مستقبل إيران، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع السلطة أن تفتح صفحة جديدة مع شعبها قبل أن يفتح التاريخ صفحة جديدة معها؟

أيًا كان الجواب، فإن إيران الآن أمام لحظة فارقة. لحظة تقف فيها الدولة أمام مرآتها، وتكتشف أن التصدعات التي بدت صغيرة في الأمس باتت الآن خطوطًا عريضة في وجه جمهورية الملالي، وإذا كان الماضي يشهد بأن إيران بلد لا يسقط بسهولة، فإن الحاضر يشهد أيضًا بأن الغضب الشعبي الذي يتغذى على الجوع والخذلان والخيبة والأوضاع الاقتصادية المتردية لا يهدأ بسهولة.. 

وسيظل السؤال قائمًا: هل تتعرض إيران لضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية استغلالًا لهذا الانفجار الداخلي؟ إلى أين تتجه إيران.. وكيف تتجه؟ وهل تملك الدولة شجاعة مواجهة نفسها كما تطلب من الآخرين مواجهتها؟ 

الزمن وحده يملك الإجابة، لكن المؤكد أن إيران ما بعد هذه الاحتجاجات ليست إيران قبلها، وأن فصول الرواية لم تنته بعد، بل ربما بدأت للتو.

ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

الجريدة الرسمية