الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" يشعل منطقة القرن الأفريقي.. مخاوف من تحويل الإقليم إلى "أرض ميعاد" فلسطينية.. وتحركات أمريكية إسرائيلية لتعزيز وجود عسكري دائم في البحر الأحمر.. والصين تراقب
مخطئ من يعتقد أن اعتراف سلطات الاحتلال الإسرائيلي بما يعرف بـ"أرض الصومال" جاء مصادفة أو كهدية غير متوقعة من السماء مع اقتراب ليلة عيد الميلاد! ومخطئ من يتعامل مع تساؤل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: "هل يعرف أحد حقًا ما هي أرض الصومال؟" على أنه سؤال بريء!
فالسؤال ذو الكلمات الثمانية يحمل دلالات أعمق، أهمها التعامل مع إقليم "أرض الصومال" بوصفه "أرض ميعاد" فلسطينية ضمن مشروع إسرائيلي يستهدف تهجير سكان غزة من أراضيهم، خاصة أن الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم جاء قبل ثلاثة أيام فقط من زيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة للقاء سيد البيت الأبيض.
كما يعكس سؤال ترامب -غير البريء- في الوقت ذاته رغبة واشنطن في فرض هيمنتها مبكرًا -ومن خلفها "إسرائيل"- على ذلك الإقليم الانفصالي كخطوة جديدة على طريق بسط السيطرة الأمريكية الإسرائيلية في القرن الأفريقي، الذي ظل لعقود طويلة ساحة نفوذ فرنسي بريطاني.
الاعتراف مقابل التهجير
قبل شهور قليلة، أجاب ترامب عن سؤال حول ما إذا كان من الممكن اعتراف واشنطن رسميًا باستقلال ما يعرف بـ"أرض الصومال" مقابل قبولها بـ"توطين سكان غزة" بتلك المنطقة الواقعة على الساحل الجنوبي لخليج عدن قائلًا: "هذا سؤال جيد"، ليضيف مفاجئًا الجميع بأنهم "يعملون على ذلك الآن"!
وفي فبراير 2025، أكدت القناة "12 الإسرائيلية" أن حديث ترامب في مؤتمر صحفي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي، بشأن تهجير سكان غزة "ليس مجرد تصريحات، بل خطط مسبقة، حيث يخطط الرئيس الأمريكي لتهجير سكان غزة إلى مناطق، منها أرض الصومال وبونتلاند"!
وقالت: إن "أرض الصومال وبونتلاند هما إقليمان داخل دولة الصومال غير معترف بهما دوليًا بصفتهما دولتين مستقلتين، وتحتاجان إلى اعتراف أمريكي بهما"، في إشارة إلى أن الأمر أكبر من مجرد مبادرة متهورة أو حلم يقظة!
جزء من "ريفيرا الشرق الأوسط"
وكشفت جريدة "فاينانشيال تايمز" في تقرير نشرته في 14 مارس 2025 أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تواصلتا مع دول في شرق أفريقيا –من بينها أرض الصومال غير المعترف بها دوليًا– بشأن تهجير فلسطينيين من غزة إلى أراضيها، في إطار خطة ترامب لما وصفه آنذاك بـ"ريفييرا الشرق الأوسط".
أضف إلى ذلك تصريحات وزير خارجية ما يعرف بـ"أرض الصومال" والتي أكد فيها انفتاح مسؤولي الإقليم على استقبال سكان غزة مقابل الحصول على اعتراف دولي باستقلاله، إضافة إلى تصريحات رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله التي هنأ فيها نتنياهو بما زعم أنه "انتصار على الإرهاب".
كما أن "إسرائيل" لم تخف رغبتها في تعاون أمني واقتصادي واسع ضمن ما يعرف بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية"، ما يؤكد أن الاعتراف الإسرائيلي هو مدخل لشبكة ترتيبات تطبيع أوسع تمتد من الممرات البحرية إلى الاستخبارات والأمن والشراكات التقنية.
من جهته، أوضح الباحث في الشؤون الإسرائيلية الدكتور خالد سعيد أن الهدف الرئيس من الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال هو تهجير الفلسطينيين إلى البلد الجديد، وهو ما ذكرته وسائل الإعلام الإسرائيلية، سواء خلال الساعات القليلة الماضية، أو منذ الإعلان الأمريكي الإسرائيلي عن استقبال عدد من الدول للفلسطينيين وتهجيرهم قسرًا من قطاع غزة إليها، ورأس تلك الدول ما يعرف بـ"أرض الصومال".
وقال سعيد في تصريحات لـ"فيتو": من بين ما أوردته تلك الوسائل الإعلامية العبرية، تهجير مئات الآلاف من الشعب الفلسطيني من أبناء قطاع غزة إلى أرض الصومال، فضلًا عن إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية مشتركة فيها، بالإضافة إلى العمل على الحد من نفوذ بعض الدول الكبرى في منطقة القرن الأفريقي، سواء روسيا أو الصين أو تركيا.
وأوضح أن "إسرائيل" بإمكانها الادعاء بتوفيرها المساعدة في مجالات عدة، سواء استصلاح الأراضي أو استغلال الشواطئ الصومالية على خليج عدن، أو نقل المعرفة الإسرائيلية في مجالات أخرى مختلفة، وذلك كله مقابل الاعتراف المتبادل بين البلدين، واستقبال "أرض الصومال" لمئات الآلاف من فلسطينيي قطاع غزة.
قاعدة عسكرية أمريكية قرب ميناء بربرة
ونقلت "فاينانشيال تايمز" عن مسؤول أمريكي مطلع على الاتصالات الأولية لواشنطن مع انفصاليي أرض الصومال قوله: "إن مناقشات فعلية بدأت حول صفقة محتملة للاعتراف بالإقليم بحكم الأمر الواقع مقابل إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية قرب ميناء بربرة على ساحل البحر الأحمر".
وتعكس تلك المناقشات اهتمام واشنطن بتأمين وجود عسكري أمريكي طويل الأمد في ميناء بربرة المطل على الساحل الجنوبي لخليج عدن، والذي أصبح محورًا للتنافس الجيوسياسي في القرن الأفريقي، في ظل القلق الأمريكي المتزايد بشأن النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة، لا سيما بعد أن حصلت بكين على قاعدة عسكرية في جيبوتي المجاورة.
وخلال السنوات الماضية، تحول الصراع على الميناء الواقع عند مدخل البحر الأحمر المؤدي إلى قناة السويس، إلى بؤرة توتر، ومركزًا لعديد الصراعات بما في ذلك أفريقيا ذاتها؛ ففي عام 2024، وقعت إثيوبيا مع ما يعرف بـ"أرض الصومال" اتفاقًا ضمنت أديس أبابا –بموجبه– استغلال الميناء لمدة 50 عامًا مقابل الاعتراف رسميًا باستقلال الإقليم، ما أثار موجة اعتراضات كبيرة من عديد الدول الأفريقية، وفي القلب منها الصومال وجيبوتي ومصر.
تداعيات سياسية وأمنية
وتقول الباحثة المتخصصة في الشأن الأفريقي بثينة صلاح إن هذا الاعتراف الإسرائيلي يمثل تطورًا بالغ الحساسية في معادلات القرن الأفريقي، لما يحمله من تداعيات سياسية وأمنية عميقة.
تضيف الباحثة في تصريحات لـ"فيتو": من المنظور الأفريقي، يشكل هذا الاعتراف خرقًا صريحًا لمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو أحد أعمدة الاستقرار النسبي في القارة منذ ستينيات القرن الماضي، كما يفتح الباب أمام إعادة إحياء النزعات الانفصالية في دول تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية.
وتتابع: إقليميًا، يعمق هذا التحرك حالة الاستقطاب في البحر الأحمر وخليج عدن، ويضيف لاعبًا جديدًا إلى سباق النفوذ العسكري والاستخباراتي في منطقة تعاني من تداخل أزمات أمنية مزمنة، من القرصنة إلى الإرهاب العابر للحدود؛ وعليه، فإن هذا الاعتراف لا يهدد وحدة الصومال فحسب، بل يحمل مخاطر زعزعة التوازنات الهشة في القرن الأفريقي.
سعي إسرائيلي للسيطرة على القرن الأفريقي
يرى نتنياهو في الاعتراف الإسرائيلي بما يعرف بـ"أرض الصومال" قفزة سياسية استراتيجية للاقتراب من ممرات ملاحة حساسة عند خليج عدن وباب المندب في توقيت تعيد فيه المنطقة تعريف أمن البحر الأحمر.
وتنظر سلطات الاحتلال الإسرائيلية إلى القرن الأفريقي نظرة استراتيجية وأمنية؛ حيث تمر ثلث تجارة "إسرائيل" الخارجية مع القارة الآسيوية من هناك، وترى في فرض نفوذها على مضيق باب المندب والبحر الأحمر أهمية كبيرة، خاصة في ظل مواجهة الحوثيين الذين تسببوا بهجماتهم ضدها في تعطيل الملاحة وارتفاع تكلفة الشحن وتعطيل ميناء إيلات، بحسب تقارير إعلامية.
وبحسب تلك التقارير، فإن "إسرائيل" تبحث عن تواجد لوجستي قرب مضيق باب المندب، وتنظر إلى إقليم أرض الصومال كموقع مثالي حيث يطل مباشرة على خليج عدن وقريب من مضيق باب المندب ومقابل دولة اليمن، وبالتالي من يسيطر على البحر الأحمر يملك ورقة ضغط قوية في أي مفاوضات تخص الملاحة والمنطقة".
كما تسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في "أرض الصومال"، باعتبارها موقعًا جيوسياسيًا بالغ الحساسية، يتيح لها التحكم في مدخل البحر الأحمر، لتوجيه رسائل تهديد مباشرة لدول منطقة الشرق الأوسط، لا سيما إيران واليمن، فضلًا عن فرض النفوذ الصهيوني في منطقة القرن الأفريقي، بحسب تقارير إعلامية.
وتشمل منطقة القرن الأفريقي -جغرافيًا- الجزء الممتد على اليابسة والواقع غرب البحر الأحمر وخليج عدن على شكل قرن، ويشمل أربع دول هي الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، بينما تتسع المنطقة أكثر عند النظر لها من زاوية سياسية واقتصادية لتشمل كينيا والسودان وجنوب السودان وأوغندا.
خطوط مصرية حمراء
تمثل التحركات الإسرائيلية تهديدًا خطيرًا للأمن القومي المصري، ولدول البحر الأحمر كافة بشكل عام، لما تحمله من طموحات عسكرية إسرائيلية في جنوب البحر الأحمر، وهي المساعي التي سبق واعتبرتها القاهرة "خطًا أحمر"، مؤكدة ضرورة المضي في تحركات دبلوماسية لمواجهة تلك الخطوة الإسرائيلية الخطيرة؛ وإلى جانب القاهرة، شملت التحركات أيضًا الصومال وجيبوتي، بالإضافة إلى تركيا، الحليفة القوية لمقديشو، والتي أدت دورًا بارزًا في تهدئة التوترات المتعلقة بالإقليم، عندما سعت إثيوبيا للاعتراف به دولة مستقلة مقابل الحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية.
وتعتبر مصر إقامة قواعد عسكرية على البحر الأحمر لغير دوله "خطًا أحمر"، وسعت على مدار العامين الأخيرين مع دول القرن الأفريقي، لمواجهة أية مساعٍ للتواجد العسكري الخارجي في المنطقة، خاصة بعد تحركات إثيوبيا.
كما ترى القاهرة أن الوجود الإسرائيلي في الجنوب من خلال "أرض الصومال"، بجانب تواجدها في الشمال بإيلات، يمثل خطورة كبيرة على الأمن القومي المصري، ويمثل تهديدًا اقتصاديًا على مصر، لارتباط حركة الملاحة في البحر الأحمر بحالة الاستقرار في المنطقة.
وعد بلفور في ثوب جديد
وعلى طريقة وعد بلفور، والتي منح بموجبها "من لا يملك لمن لا يستحق"، يبدو الاعتراف الإسرائيلي بما يعرف بـ"أرض الصومال" بمثابة فصل جديد في صراع النفوذ الإقليمي في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع ملفات التهجير الفلسطيني مع الطموحات الجيوسياسية للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية.
وبينما يسعى نتنياهو، المطلوب بالمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب، لتمرير خططه تحت شعارات استراتيجية واستثمارية، تظل منطقة القرن الأفريقي موضع حساسيات دولية وإقليمية، ويصبح إقليم "أرض الصومال" بمثابة قنبلة موقوتة تنتظر لحظة الانفجار.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا
