رئيس التحرير
عصام كامل

السيد المسيح.. دستور المحبة والرجاء.. أعاد صياغة الضمير الإنساني.. من الطيب إلى عبد الحليم محمود الأزهر يرسخ فقه التعايش

 السيد المسيح
السيد المسيح
18 حجم الخط

بحلول يناير من كل عام، تتجه أنظار العالم نحو مغارة صغيرة في بيت لحم، حيث ولد السيد المسيح في مشهد غير مجرى التاريخ الإنساني إلى الأبد، فلم يكن ميلاد الناصري مجرد حدث تقويمي يفصل بين عصرين، بل كان زلزالًا أخلاقيًّا أرسى دعائم فلسفة جديدة تقوم على المحبة غير المشروطة، والتسامح الذي لا يعرف الحدود، والانتصار للفقراء والمهمشين.

وفي مصر، تكتسب هذه الذكرى صبغة خاصة جدًّا، فمصر لم تكن مجرد جارة لموطن الميلاد، بل كانت الحضن الآمن والملاذ الوحيد الذي استقبل العائلة المقدسة هربًا من بطش هيرودس، مما جعل أرضها مباركة بآثار أقدام الطفل الإلهي، وحول قراها ومدنها من شمال سيناء إلى أعماق الصعيد إلى مزارات حية تنبض بروح القداسة.

وتتجلى عظمة هذه الذكرى في مصر من خلال لوحة احتفالية متنوعة المواعيد والطقوس، تعكس ثراء النسيج الكنسي المصري، حيث تبدأ مظاهر البهجة رسميًّا في ليلة الرابع والعشرين من ديسمبر، حينما تفتح الكنائس الكاثوليكية بمختلف طوائفها، ومعها كنيسة الروم الأرثوذكس والأساقفة، أبوابها لإقامة قداسات الميلاد وفق التقويم الغريغوري، في مشهد يربط مصر بالاحتفالات العالمية.

وتستمر الروح الاحتفالية في التصاعد لتصل إلى ذروتها الوطنية الكبرى في ليلة السادس من يناير، حيث تحتشد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الكنيسة الأم والأكبر في البلاد، لإقامة قداس العيد وفق التقويم اليولياني، وهو التاريخ الذي يوافق السابع من يناير في التقويم الميلادي، ويشهد حضورًا رسميًّا وشعبيًّا لافتًا في كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، بينما تقيم الكنيسة الإنجيلية برئاسة الدكتور القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية، احتفالها الرسمي في توقيت متقارب، لتصبح مصر في حالة عيد ممتدة لأكثر من أسبوعين، تذوب فيها الفوارق بين التقاويم لصالح رسالة واحدة هي السلام.

إن تأمل الأخلاق التي قدمها المسيح، من إنكار الذات وخدمة الآخرين، يمثل الترياق الحقيقي لأزمات الصراع والكراهية التي تنهك وجه الأرض في عام 2025، وهي دعوة للعودة إلى الإنسان في نقائه الفطري، حيث تصبح الرحمة هي القانون الأسمى الذي يعلو فوق كل الشرائع، وحيث يمثل الاحتفال بالميلاد في مصر احتفالًا بالملاذ الآمن الذي قدمته هذه الأرض، وتأكيدًا على أن رسالة السلام التي انطلقت من المذود لا تزال تجد لها صدى في قلوب المصريين الذين يرون في المسيح رمزًا للأمل ونورًا يضيء عتمة اليأس، ودعوة مستمرة لبناء عالم يسوده العدل والمحبة، بعيدا عن صراعات المصالح وصدامات الكراهية، لتظل هذه التعاليم بوصلة لا تخطئ لكل من ينشد حياة أخلاقية قوامها الحق والخير والجمال.

قراءة في فلسفة الأخلاق والجمال عند السيد المسيح

في عمق التاريخ الإنساني، لم تكن تعاليم السيد المسيح مجرد نصوص دينية تضاف إلى سجلات الفكر البشري، بل كانت زلزالا أخلاقيا ضرب جذور القسوة والجمود، ليطرح بدلًا منها مفاهيم لم تعهدها البشرية من قبل.

انطلقت الأخلاقيات عند المسيح من نقطة شديدة العمق، وهي أن الفعل الخارجي للإنسان ليس إلا انعكاسًا لما يفيض به قلبه، ومن هنا كانت دعوته الدائمة إلى تطهير الداخل أولا، معتبرًا أن النوايا هي المحرك الحقيقي للوجود، فلا قيمة ليد لا تقتل إذا كان القلب يمتلئ بالضغينة، ولا طهارة لجسد يحمل في طياته شهوة الاستحواذ والشر.

هذه الرؤية حولت الأخلاق من مجرد قائمة من الممنوعات والمحرمات القانونية إلى مسؤولية شخصية تقع على عاتق الضمير الحي، حيث يصبح الإنسان رقيبًا على ذاته في خلوته قبل جولاته.

وانتقالًا من عالم النوايا إلى حيز التطبيق، قدم المسيح “المحبة” كقانون مطلق يتجاوز حدود العرق واللون والطبقة، فلم تعد المحبة مجرد عاطفة تمنح لمن يستحقها، بل أصبحت “إرادة خير” تبذل حتى لمن لا يستحق في نظر المجتمع.

لقد وضع المسيح منطقًا ثوريًّا يدعو إلى محبة الأعداء ومباركة المسيئين، وهو طرح لم يكن يهدف إلى الضعف أو الانكسار، بل كان يسعى إلى كسر دائرة الشر التي لا تنتهي إلا بغفران غير مشروط.

هذا الغفران الذي وصفه المسيح بأنه “بلا حدود”، جعل من التسامح قوة قادرة على تغيير الخصم وتحويل العداوة إلى مساحة للتلاقي الإنساني، مؤكدًا أن العظمة الحقيقية لا تكمن في الانتصار على الآخرين، بل في الانتصار على نزعة الانتقام داخل النفس البشرية.

وفي مسار موازٍ، أعاد المسيح تعريف مفهوم “العظمة”، فبينما كان العالم يمجد القوة والنفوذ والسيطرة، كان هو يغسل أرجل تلاميذه ليؤصل لأخلاق “الخدمة والتواضع”، لقد علم البشرية أن القائد الحقيقي هو الخادم الأول، وأن الشرف يكمن في النزول إلى آلام الناس ومسح دموعهم، وليس في التعالي عليهم، هذا الانحياز الكامل للمهمشين والفقراء والمنبوذين أعطى للأخلاق بعدا اجتماعيا رحيما، فصار إطعام الجائع وزيارة المريض وإيواء الغريب هي العبادة الحقيقية التي تسبق الطقوس والقرابين.

لم تكن هذه الأخلاق تدعو إلى الانعزال، بل كانت دعوة ليكون الإنسان “نورًا” وسط ظلمات اليأس، و"ملحًا" يعطي للحياة طعمها وقيمتها من خلال الصدق المطلق والبساطة في القول والعمل.

إن السردية الأخلاقية عند السيد المسيح تنتهي دائمًا بانتصار الروح على المادة، حيث حذر من عبودية المال والطمع التي تقتل إنسانية الإنسان، داعيًا إلى الكفاف والرضا والبحث عن الكنوز التي لا يفنيها الزمن، إنها منظومة متكاملة تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان، وتدعوه لأن يرى في الآخر “أخًا” وفي الضعف “فرصة للرحمة”، وفي الحياة رحلة قصيرة لا يتبقى منها إلا مقدار ما قدمه من حب وما زرعه من سلام في قلوب المتعبين.

ومن هنا تظل هذه التعاليم بوصلة لا تخطئ لكل من ينشد حياة أخلاقية قوامها الحق والخير والجمال، بعيدا عن صراعات المصالح وصدامات الكراهية التي تنهك وجه الأرض.

 كيف تحولت محطات الملاذ إلى شرايين حياة للمصريين؟

بينما يمر العالم اليوم بصراعات ونزاعات تشرد الملايين، تظل رحلة العائلة المقدسة إلى أرض مصر قبل أكثر من ألفي عام هي "أيقونة اللجوء" الأبرز في التاريخ الإنساني.

لكن المثير في عام 2025 ليس فقط السرد التاريخي للرحلة، بل كيف تحولت تلك النقاط الجغرافية التي احتمى بها السيد المسيح طفلا إلى "مراكز ثقل" اجتماعي واقتصادي ووجداني غيرت ملامح الخريطة المصرية.

هذه الرحلة لم تكن مجرد هروب من بطش ملك، بل كانت "معمودية" للأرض المصرية التي فتحت ذراعيها لتستقبل طفلا سيغير وجه العالم، تاركة وراءها بصمات لا تمحى في وجدان القرى والمدن التي مر بها.

تبدأ الرحلة تاريخيا من "الفرما" شمال سيناء، وهي النقطة التي دخلت منها العائلة إلى مصر هربا من "هيرودس".

تشير المصادر الكنسية والتاريخية، وعلى رأسها "ميمر" البابا ثاوفيلس، إلى أن العائلة سلكت طرقا وعرة وغير مطروقة لتجنب ملاحقة الجنود.

اليوم، نجد أن هذه النقاط الجغرافية، مثل "تل بسطا" بالشرقية، و"سخا" بكفر الشيخ، و"مسطرد" بالقليوبية، لم تعد مجرد مزارات دينية صامتة، بل أصبحت "هوية" نابضة لسكانها.

ففي "مسطرد" مثلا، نجد بئر الماء التي غسل فيها المسيح ثيابه، تحولت إلى مركز تجمع شعبي سنوي يضم مئات الآلاف، حيث تذوب الفوارق الطبقية والدينية في طقس اجتماعي فريد يعرف بـ "المولد"، حيث يتبرك الجميع بالماء في مشهد يجسد الوحدة الوطنية في أبهى صورها العفوية.

تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة في 2025 أن القرى الواقعة على مسار الرحلة تمتلك نسيجا اجتماعيا استثنائيا، في قرية "جبل الطير" بالمنيا، حيث توجد الكنيسة المنحوتة في الصخر التي شيدتها الملكة هيلانة، يعيش السكان مسلمون ومسيحيون على اقتصاد "السياحة الروحية".

الرحلة لم تكن مجرد مرور عابر، بل تركت موروثا من الحكايات الشعبية التي يتناقلها الأهالي وكأنها حدثت بالأمس.

مشروع "إحياء مسار العائلة المقدسة" الذي تبنته الدولة المصرية، لم يكن مجرد ترميم لآثار، بل كان مشروعا تنمويا متكاملا، حيث تم رصف طرق كانت منسية، وإنارة قرى كانت في الظلام، وخلق فرص عمل لآلاف الشباب في مجالات الضيافة، والإرشاد السياحي، والصناعات اليدوية المستوحاة من التراث القبطي.

هذا التطوير حول القرى “المهمشة” إلى مقاصد عالمية، وربط الصعيد بالدلتا في "شريان سياحي" واحد يروي قصة الملاذ الآمن.

ما يميز هذه الرحلة هو “المصرية الشديدة” التي صبغتها بها الأرض، فالمسيح لم يجد الملاذ في القصور أو القلاع، بل في بيوت الفقراء والمغارات المظلمة.

واليوم، نجد أن العائلات في “دير المحرق” بأسيوط، والذي يعرف بـ "بيت لحم الثاني" لإقامة المسيح فيه لأطول فترة حوالي أكثر من 6 أشهر، تعتبر نفسها “حارسة الملاذ”.

كما أن هناك ترابطا وجدانيا يجعل ابن القرية البسيط في قلب الصعيد يشعر بفخر لأن "السيد المسيح نام هنا" أو “شرب من بئرنا”، هذا الشعور هو المحرك الحقيقي لاستمرارية هذه المواقع، فهي ليست مجرد حجارة أثرية، بل هي "بيوت عامرة" بالبشر والصلاة والقصص التي تنتقل من جد لحفيد.

في عام 2025، تظل “جغرافيا الهروب” القديمة هي “جغرافيا الأمل” المعاصرة، تذكرنا بأن مصر كانت ولا تزال أرضا تمنح الأمان لمن لا أمان له، وأن بركة تلك الرحلة لا تزال تفيض خيرا وتنمية على كل قدم سارت عليها العائلة المقدسة.

صمت المذود وصخب الاستهلاك

كيف تحدى طفل المزود مليارات شجرة الكريسماس والتريند؟

في ليلة شاتية ببيت لحم، قبل ألفي عام، ولد طفل في "مذود بقر"، مكان يفتقر لأدنى مقومات الرفاهية، محاطا بصمت الرعاة وبساطة الفقراء ودفء الأنفاس الحيوانية.

وفي ديسمبر 2025، يبدو المشهد العالمي نقيضا تماما، أضواء نيون تخطف الأبصار، حملات إعلانية خوارزمية تطارد المستخدمين، ومولات ضخمة تتسابق على تحويل العيد إلى "ماراثون إنفاق"، وهنا يبرز السؤال الفلسفي والأخلاقي الصعب، هل ابتلع "صخب الاستهلاك" الحديث "صمت المذود" القديم، وهل تحولت ذكرى ميلاد المسيح من ثورة على المادة والظلم إلى مهرجان عالمي لتمجيد "السلعة"؟

تتفق المصادر التاريخية واللاهوتية على أن اختيار "المذود" لم يكن صدفة جغرافية أو مجرد سوء حظ في العثور على غرفه في فندق، بل كان رسالة جذرية متعمدة ضد التفاخر المادي.

الميلاد في مكان مخصص لإطعام الدواب كان انحيازا صريحا لكل من هو "خارج النظام"  للفقراء، للمهمشين، وللمسحوقين، المسيح، في لحظة مولده، قدم نموذج "الزهد الاختياري"، وهو مفهوم يصدم العقلية الحديثة في 2025 التي تلهث وراء "الماركات" و"التريندات" كمقياس وحيد للقيمة والنجاح.

الميلاد الأول كان يقول للعالم إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تستمد مما يملك أو ما يلبس، بل من "الجوهر الإنساني" المحض، ومن القدرة على العطاء في عز الاحتياج.

تشير البيانات الاقتصادية لعام 2025 إلى أن الربع الأخير من العام يمثل "موسم الذروة" للرأسمالية العالمية، حيث يتم تسليع كل شيء، حتى "المشاعر".

تحولت شجرة الميلاد، التي كانت في الأصل رمزا للحياة المتجددة وسط الشتاء، إلى صناعة بلاستيكية ملوثة للبيئة بمليارات الدولارات.

وبدلا من أن يكون العيد فرصة للتأمل في احتياجات "الآخر" المتألم، أصبح عبئا سيكولوجيا وماديا يضغط على ميزانيات الأسر، خاصة في الدول النامية، لتلبية "معايير السعادة" الزائفة التي تفرضها صور "إنستجرام" و"تيك توك".

هذا الصخب الاستهلاكي جعل "رسالة الفقراء" تتوارى خلف جبال من الهدايا الفاخرة وعلب الكرتون الملونة، وأصبح "بابا نويل" ببدلته الحمراء وحقيبته الممتلئة هو الرمز الطاغي، متفوقا على رمزية "الطفل الفقير" الذي لم يجد مكانا يبيت فيه.

على الجانب الآخر، يرى مفكرون اجتماعيون أن الأزمات الاقتصادية والبيئية والحروب التي يمر بها الكوكب الآن، قد تكون "صدمة إفاقة" لاستعادة معنى المذود، هناك اتجاه متنامٍ في 2025 نحو ما يسمى بـ "البساطة الطوعية" و"العدالة التوزيعية".

في هذا السياق، يعاد تفسير ميلاد المسيح كدعوة للتحرر من عبودية "الأشياء"، العيد في جوهره هو "عيد الأمل" لمن لا يملكون شيئا، وليس "عيد الاستعراض" لمن يملكون كل شيء.

استعادة صمت المذود تعني أن نتوقف قليلا عن الضجيج الشرائي لنسمع صراخ الجوعى في مناطق النزاع، وأنين المرضى الذين لا يجدون ثمنا للدواء، فالمسيح اليوم لا يولد في المولات المزينة، بل يولد في خيام اللاجئين، وتحت أنقاض المدن المدمرة، وفي عيون كل طفل يبحث عن الأمان.

الصراع بين صمت المذود وصخب المولات هو في الحقيقة صراع على "روح البشرية". الميلاد الحقيقي في عام 2025 ليس في تغيير أثاث البيت أو شراء أحدث الأجهزة، بل في تغيير "إحداثيات القلب" لتتجه نحو الرحمة، إن استعادة روح الميلاد تتطلب منا شجاعة التخلي عن "الأنا" المتضخمة استهلاكيا، لنكتشف أن أعظم هدايا التاريخ لم تكن مادية قط، بل كانت مغلفة بـ "المحبة والتواضع والبذل".

لعلنا في هذا العيد، نطفئ بعض الأضواء الصناعية الصاخبة، لنبصر "نجم المشرق" الذي يهدينا إلى حيث يسكن الجياع والعطاش إلى العدل، فهناك فقط.. يوجد الميلاد الحقيقي.

من الطيب إلى عبد الحليم محمود.. الأزهر يرسخ فقه التعايش

لم يكن موقف الأزهر الشريف من قضية تهنئة غير المسلمين بأعيادهم موقفًا عابرًا أو وليد لحظة جدل مجتمعي طارئة، بل جاء ممتدًا عبر عقود طويلة، تعاقب خلالها شيوخ الأزهر على ترسيخ منهج وسطي، يوازن بين ثوابت العقيدة الإسلامية، ومتطلبات التعايش الإنساني داخل الوطن الواحد، حيث ظل الأزهر، باعتباره المرجعية الدينية الأهم في العالم الإسلامي السني، حريصًا على تأكيد قيم المواطنة، والسلم المجتمعي، واحترام التنوع الديني، دون إخلال بأصول الدين.

الإمام الأكبر أحمد الطيب، تهنئة تنطلق من فقه المواطنة

في عهد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الحالي، شهد ملف تهنئة غير المسلمين بأعيادهم وضوحًا غير مسبوق في الخطاب الديني الأزهري، إذ حرص الطيب في أكثر من مناسبة على التأكيد أن الأزهر يعتز بالعلاقة التي تربط المصريين مسلمين ومسيحيين، والتي تنبع من الفهم الصحيح للدين، مؤكدًا أن تهنئة المسيحيين بالأعياد ليست من باب المجاملة أو الشكليات، وإنما تأتي انطلاقًا من فهمنا لتعاليم ديننا الحنيف، مشيرًا إلى أن علاقة المسلمين والمسيحيين تعد تجسيدًا حقيقيًا للوحدة والإخاء، وأن هذه الأخوة ستظل دائمًا الرباط المتين الذي يشتد به الوطن في مواجهة الصعاب والتحديات، وأكد فضيلة الإمام أنه لا توجد في القرآن أديان مختلفة لكن توجد رسائل إلهية تعبر عن الدين الإلهي الواحد، لافتًا إلى أن هناك وحدة تربط نبي الإسلام محمدًا صلى الله عليه وسلم بغيره من الأنبياء، وهي الأخوة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي والأنبياء أولاد علاتٍ أمهاتهم شتى، ودينهم واحد”.

وعن الأصوات التي تُحرم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، وتنهى عن أكل طعامهم، ومواساتهم في الشدائد، ومشاركتهم في أوقات الفرحة، أكد فضيلة الإمام الأكبر أن هذا فكر متشدد لا يمت للإسلام بصلة، وهو فكر لم تعرفه مصر قبل سبعينيات القرن الماضي؛ وشدد شيخ الأزهر على أن من يحرمون تهنئة المسيحيين بأعيادهم غير مطلعين على فلسفة الإسلام في التعامل مع الآخر بشكل عام، ومع المسيحيين بشكل خاص، والتي بينها لنا الخالق عز وجل في قوله: “وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذلِكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ"، وَبيَّنها لنا أيضًا سبحانه وتعالى في قوله: "وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ”، وإذا قرأنا كلام المفسرين والمحدثين في هذا الجانب، سنجد أنهم وصفوا المسيحيين بأنهم أهل رأفة ورحمة وشهامة، وأنهم لا يحملون ضغينة وأن هذه الصفات مستمرة فيهم إلى يوم القيامة، وهذا الكلام موجود في أمهات الكتب التي يدرسها الأزهر لطلابه.

الدكتور محمد سيد طنطاوي، صداقة قوية مع البابا شنودة

ومن قبل الدكتور أحمد الطيب، أكد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق على أن اللقاءات التي تجمعه بقيادات الكنيسة المصرية أنها ليست محاولة لرسم صورة غير صادقة أو معبرة عن واقع العلاقة بينه وبين قداسة البابا شنودة‏، مؤكدًا أن تلك اللقاءات هي مجاملات هدفها تبادل التهاني بالأعياد والمناسبات المرتبطة بأي من الجانبين‏،‏ وتعميق روح الود والمشاركة في فرحة الأعياد والابتهاج بها‏، مشيرًا إلي أن المجتمع المصري بالفعل يعيش معا الأعياد الدينية‏،‏ ويعتبرها الجميع ـ مسلمون ومسيحيون ـ فرصة للتزاور والترويج عن النفس‏،‏ كما أن الكل يحرص على تهنئة الجار والصديق وزميل العمل بمناسبة عيده‏، متسائلًا ‏: “لماذا يعتبرون مجاملات القيادات الدينية غير صادقة‏،‏ ويعترفون بمجاملات المواطن العادي‏”.

الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، المواطنة قبل الجدل الفقهي

بدوره كان الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق من أبرز من تعاملوا مع هذه القضية بعقلية فقهية منضبطة، حيث أكد في فتاواه وكتاباته أن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم تدخل في باب المعاملات الإنسانية، ولا علاقة لها بإقرار العقائد أو المشاركة في الشعائر الدينية، محذرًا من الخلط بين الثوابت العقدية، ومتطلبات الحياة المشتركة داخل المجتمع، حيث يرى الشيخ جاد الحق أن  الإسلام لا ينهى عن صلة غير المسلمين وبرهم، ومجاملتهم بالمعروف، طالما أنهم لا يحاربون المسلمين في دينهم، مؤكدًا أن الإسلام أرسى قواعد التعايش منذ اللحظة الأولى، مستشهدًا بما ورد في السيرة النبوية من مواقف تعكس احترام النبي ﷺ لغير المسلمين، وهو ما اعتبره أساسًا شرعيًا لا يمكن تجاهله عند تناول مثل هذه القضايا.

عبد الحليم محمود، التصوف طريق للتسامح

أما الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود، فقد انطلق في رؤيته من مدرسة روحية وصوفية عميقة، ترى أن جوهر الإسلام هو الرحمة، وأن التعامل الحسن مع غير المسلمين يعكس حقيقة الدعوة الإسلامية، حيث أكد في أكثر من مناسبة أن حسن الخلق هو أعظم وسائل الدعوة، وأن التشدد في قضايا اجتماعية من هذا النوع يسيء إلى صورة الإسلام ولا يخدمه، واعتبر الشيخ عبد الحليم محمود أن المجتمع المصري بتاريخه وتركيبته لا يحتمل خطابات الإقصاء، مؤكدًا أن المشاركة الوجدانية في الأعياد لا تعني ذوبان الهوية، بل تعبر عن نضج ديني وإنساني.

ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

الجريدة الرسمية