هل كان الإسراء بالروح فقط أم بالجسد؟ اعرف أقوال العلماء
أكدت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية، أن معجزة الإسراء والمعراج تتجاوز حدود العقل البشري وقوانين الفيزياء، لتتجلى فيها طلاقة القدرة الإلهية ونسبة الفعل لخالقه، فلا يُقاس فعل الخالق بمقاييس المخلوق القاصرة.
الإسراء والمعراج خارج حدود الزمان والمكان
وقالت: تُعد معجزة الإسراء والمعراج حدًّا فاصلًا بين إيمان التسليم وبين يقين العقل بطلاقة القدرة الإلهية، إذ لم تكن الرحلة مجرد انتقالٍ في المكان والزمان، بل كانت خرقًا لنواميس الكون المعهودة، ولفهم كيفية وقوع هذا الحدث الكوني في جزءٍ يسيرٍ من الليل، لا بد من تحرير "جهة الفعل" وتصحيح المقياس الذي نزن به المعجزات، وهو ما قرره المحققون من أهل العلم والتفسير في شروحهم.
الاستهلال بالتنزيه ودلالة ﴿سُبْحَٰنَ﴾
وأشارت إلى أن الله عز وجلافتتح سورة الإسراء بكلمة التنزيه المطلق ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ [الإسراء: ١]، وهذا الاستهلال يحمل دلالةً عقديةً عميقة، فهو إعلانٌ مسبقٌ بأن ما سيأتي من خبرٍ هو أمرٌ خارجٌ عن مألوف البشر وعن قوانين المادة، لذا يقرر المفسرون أن ﴿سُبۡحَٰنَ﴾ اسمٌ يؤذن بتنزيه الله عز وجل عن كل نقص، ويقتضي إثبات العظمة والكمال لله سبحانه وتعالى، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله في ذلك: يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره" [تفسير ابن كثير (٥ / ٥)]، فكانت "سبحان" بمثابة صمام أمانٍ للعقل البشري تقول له توقف هنا عن القياس بمقاييسك الدنيوية البشرية، فأنت أمام فعلٍ إلهيٍ لا تسري عليه قوانين الحركة والزمن الأرضية.
جوهر المعجزة ونسبة الفعل لفاعله
وبينت إن الإشكال الذي يقع فيه العقل المادي عند سماع خبر الإسراء والمعراج هو قياس الرحلة بمقياس البشر المحدود متسائلًا "كم يستغرق الإنسان لقطع المسافة؟"، وهنا يبرز الجواب العقدي الحاسم الذي يقرر أن "الزمن يتناسب تناسبًا عكسيًا مع قوة الفاعل"، فالنص القرآني دقيقٌ جدًا حين قال: ﴿أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ [الإسراء: ١]، ولم يقل (سَرَى عبده)، فالفاعل هو الله صاحب القدرة المطلقة، والمفعول به هو النبي ﷺ صاحب القدرة المحدودة، وقد أبدع أمير الشعراء أحمد شوقي في تصوير هذا المعنى حين صور هذه الحالة بنسبة الفعل للفاعل الحقيقي في نهج البردة قائلًا:
أَسـرَى بِـكَ الـلَّـهُ لَـيـلًا إِذ مَـلائِـكُـهُ... وَالـرُسـلُ فـي الـمَـسـجِـدِ الأَقـصـى عَـلـى قَـدَمِ
لَـمّـا خَـطَـرتَ بِـهِ اِلتَفُّوا بِسَيِّدِهِم... كَـالـشُـهـبِ بِـالـبَـدرِ أَو كَـالـجُـنـدِ بِـالـعَـلَـمِ
وأوضحت أن القاعدة العقلية تقول "الفعل يأخذ زمن الفاعل ولا يأخذ زمن المفعول"، ولأن قدرة الله لا يحدها حد، فإن الزمن في حق فعله يؤول إلى "اللا شيء" بمقاييسنا، يقول الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير مناقشًا هذه القدرة: "فَإِنَّ الْإِسْرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ مُحَمَّدٍ إِلَّا أَنَّهُ سَهْلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ" [مفاتيح الغيب ١١ / ٢٦٣]، ولتقريب المعنى للأذهان نرى في دنيانا أنه كلما زادت القوة الدافعة قل الزمن المستغرق، فالطفل يحبو في ساعات، والرجل يمشي في ساعة، والصاروخ يقطع المسافة في دقائق، والضوء يقطعها في أجزاءٍ من الثانية، فما بالك بقدرة خالق الضوء والسرعة؟، فإذا نُسب الفعل إلى الله سبحانه وتعالى القادر على كل شيء والذي بيده ملكوت السماوات والأرض سقطت حسابات الزمان والمكان تمامًا.
حقيقة الإسراء بالروح والجسد
وأشارت إلى أن جمهور علماء الأمة أن الإسراء والمعراج كانا بالروح والجسد معًا يقظةً لا منامًا، لأن قدرة الله تتعلق بالمادة (الجسد) كما تتعلق بالروح، وتخصيصها بالروح فقط تقليلٌ من شأن المعجزة، وهو ما عبر عنه الإمام البوصيري في بردته الخالدة واصفًا السريان الجسدي المشهود قائلًا:
سَـرَيْـتَ مِـنْ حَـرَمٍ لَـيْـلًا إِلَـى حَـرَمِ... كَـمَـا سَـرَى الْـبَـدْرُ فِـي دَاجٍ مِـنَ الـظُّـلَـمِ
وَبِـتَّ تَـرْقَـى إِلَـى أَنْ نِـلْـتَ مَـنْـزِلَـةً... مِـنْ قَـابِ قَـوْسَـيْـنِ لَـمْ تُـدْرَكْ وَلَـمْ تُـرَمِ
وقد أكد الحافظ ابن كثير رحمه الله هذا المعنى بقوله: " فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا منامًا، ولا ينكر أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل ذلك منامًا، ثم رآه بعده يقظة؛ لأنه عليه السلام كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح؛ والدليل على هذا قوله عز وجل: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظمًا، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتد جماعة ممن كان قد أسلم. وأيضًا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال عز شأنه: ﴿أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلࣰا﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡیَا ٱلَّتِیۤ أَرَیۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةࣰ لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، والشجرة الملعونة: شجرة الزقوم. رواه البخاري، وقال تعالى: ﴿مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ [النجم: ١٧]، والبصر من آلات الذات لا الروح [تفسير ابن كثير (٥ / ٤٤)].
خرق العادات وقوانين الفيزياء
وأكدت أن من مقتضيات الإيمان بـ (الربوبية) الاعتقاد بأن الله هو خالق القوانين كالجاذبية والسرعة، ومن خلق القانون يملك حق وقفه أو خرقه لرسله، وهو ما يسمى في العقيدة بـ (خوارق العادات)، وقد تجلى ذلك في السنة النبوية عبر مشهدين عظيمين، أولهما تجاوز قوانين الحركة في حديث أنس بن مالك: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ... يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ» [أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٩)]، وثانيهما التهيئة المادية للجسد في حديث شق الصدر: «فَشُقَّ ما بين هَذِهِ إلى هَذِهِ... فَغُسِلَ قَلْبِي» [أخرجه البخاري صحيحه (٣٦٧٤)]، فهذا الإعداد المادي كان ضروريًا ليتحمل الجسد البشري اختراق السماوات.
بين صاروخ البشر وبراق السماء
وأضافت أنه من مقتضيات الإيمان بـ (الربوبية) الاعتقاد بأن الله هو خالق القوانين كالجاذبية والسرعة، ومن خلق القانون يملك حق وقفه أو خرقه لرسله، وهو ما يسمى في العقيدة بـ (خوارق العادات)، وقد تجلى ذلك في السنة النبوية عبر مشهدين عظيمين، أولهما تجاوز قوانين الحركة في حديث أنس بن مالك: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ... يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ» [أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٩)]، وثانيهما التهيئة المادية للجسد في حديث شق الصدر: «فَشُقَّ ما بين هَذِهِ إلى هَذِهِ... فَغُسِلَ قَلْبِي» [أخرجه البخاري صحيحه (٣٦٧٤)]، فهذا الإعداد المادي كان ضروريًا ليتحمل الجسد البشري اختراق السماوات.

بين صاروخ البشر وبراق السماء
وقالت: إننا نعيش في عصرٍ طغت فيه المادة، وبلغ فيه الإنسان شأنًا عظيمًا في العلم التجريبي حتى استطاع أن يغادر الغلاف الجوي ويضع قدمه على سطح القمر. وقد اتخذ بعض المتشككين من هذه المنجزات ذريعةً لإنكار الغيبيات، ولكن العقل المؤمن يرى في "غزو الفضاء" دليلًا يُقرب معجزة المعراج ولا ينفيها؛ فمن باب "قياس الأولى": إذا استطاع الإنسان -وهو المخلوق الضعيف- بالعلم المكتسب والقوانين المسخرة أن يصعد بآلاته الحديدية إلى السماء في أيام، فكيف يُستبعد على خالق الإنسان وخالق القوانين أن يرفع نبيه المصطفى ﷺ إلى ما فوق السماوات العلى في لحظات؟!
وأكدت أن المقارنة هنا ليست بين قدرتين، بل بين "جهد المفتقر" و"أمر المقتدر"، فصعود البشر (الصاروخ): هو محاولة شاقة تعتمد على صراعٍ مع الجاذبية، وحرقٍ لأطنان الوقود، ودرعٍ واقٍ من الاحتراق، ومع ذلك يظل محفوفًا بالخطر والنقص، وصعود النبي (المعراج): هو رحلة "ضيافة" لا "مكابدة"، حُمل فيها الحبيب ﷺ على "البراق" الذي لا يعتمد على دفع النار بل على طي المسافات بالنور، في رحلة خضعت فيها الجاذبية والزمن والمكان لأمر (كن فيكون)، وهنا تتجلى حكمة الشعراء المعاصرين الذين التقطوا هذا المعنى الدقيق، فردوا على من آمن بـ "أبولو" وكفر بـ "المعراج"، مبينين أن الفارق يكمن في "الصانع". وكما قال الشاعر مستنكرًا هذا التناقض:
أَيَعْرُجُ صَارُوخٌ إِلَى قَمَرِ السَّمَا... وَيَقْطَعُ هَذَا الأُفْقَ فِي بَعْضِ سَاعَةِ؟
وَيَعْجَزُ رَبُّ الكَوْنِ أَنْ يَحْمِلَ الَّذِي... اصْطَفَاهُ إِلَى العَلْيَاءِ رَمْزَ الشَّفَاعَةِ؟!
فَذَاكَ بِصُنْعِ النَّاسِ جَدَّ وَحَلَّقَا... وَهَذَا بِصُنْعِ اللهِ رَبِّ الصِّنَاعَةِ
ونوهت إلى أنه لم يقف الأمر عند حدود السرعة، بل امتد لشرف الغاية؛ فالصاروخ صعد ليجمع صخورًا ميتة من قمرٍ صامت، أما المعراج فكان للقاء الحي القيوم عند سدرة المنتهى. وهذا ما عبر عنه الشاعر محمود غنيم في قصيدته الخالدة حين خاطب رواد الفضاء قائلًا:
يَا رَائِدَ الفَضَاءِ قل لِّي بِرَبِّكَ... أَصَعَدْتَ أَمْ قَدْ حَلَّقَتْ بِكَ نَارُ؟
طِرْتُمْ عَلَى مَتْنِ البُرَاقِ؟ فَقَالَ لِي:... خَجَلًا، وَهَلْ لِي بِالبُرَاقِ مَطَارُ؟
بِيَدِي صَنَعْتُ لِيَ الجَنَاحَ، وَبِالرُّؤَى... صِيغَتْ لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أَقْدَارُ
شَتَّانَ بَيْنَ مُسَيَّرٍ بِمَشِيئَةٍ... وَمُخَيَّرٍ مَا شَاءَهُ يَخْتَارُ
فالمعجزة إذن ليست في مجرد الصعود، بل في أن الله طوى لنبيه الأسباب، وألغى له الموانع، ليثبت للبشرية أن قوانين الفيزياء تسري علينا، أما الله فهو قاهرها ومجريها وموقفها متى شاء وكيفما شاء.
وتابعت: إن معجزة الإسراء والمعراج درسٌ تطبيقيٌ في العقيدة يعلمنا ألا نقيس أفعال الله بمقاييس البشر، فإذا جاء الخبر عن الله وجب عزل العقل البشري المحدود عن التدخل في الكيفية، والاكتفاء بالإيمان بالقدرة، وفي عصرنا الحديث وقف الشعراء أمام طغيان المادية ليقارنوا بين محاولات البشر الصعود للقمر وبين معراج سيد البشر، مبينين عجز التقنية أمام طلاقة القدرة الإلهية.
ولله در القائل:
إذا أنكر المعراج بالأمس جاهل... فليس يماري اليوم فيه مفكر
أيعرج صاروخ إلى قمر السما... تسيره منا عقول تفكر
وننكر أن يرقى إليها محمد... بتقدير من للكائنات يسير
أيقدر مخلوق ويعجز خالق... تباركت يا ربي فإنك أقدر

واختتمت بأنه تُرسخ حادثة الإسراء والمعراج عقيدة التسليم المطلق لله بتصحيح موازين القياس العقلي؛ فالزمن يتلاشى أمام قدرة الخالق، والمستحيلات الفيزيائية تغدو ممكناتٍ في حق من أوجد القوانين، وقد تضافرت الأدلة النقلية والمنطقية على وقوع هذه المعجزة بالروح والجسد يقظةً، تكريمًا للنبي ﷺ وإظهارًا لعجز البشر أمام طلاقة القدرة الربانية، لتبقى شاهدًا أبديًا على أن ما يعجز عنه المخلوق، هينٌ يسيرٌ على الخالق.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا



