رئيس التحرير
عصام كامل

البر الحقيقي!

18 حجم الخط

قديمًا قالت العرب: "إن البر شيء هَيّن؛ وجه طلق (بشوش) وكلام لَيّن"! وهذا ما أقره رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بقوله: "إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ منكم بَسْطُ الْوَجْهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ". أما الشاعر فيقول في حسن استقبال الناس: تراه إذا ما جئته متهللا/ كأنك معطيه الذي أنت سائله، وفي أمثالنا العامية قالوا "لاقينيى ولا تغديني".


ما أسهل البر؛ وجه بشوش، وكلام طيب، طبطبة علي الروح، ودفقات من إحساس صادق، ليس إلا!.
البر ليس شيئًا ماديًا كما يفهم كثير من الناس، فهو في أحد جوانبه عطاء وإنفاق، ذلك بعض وجوه البر، لكنه أدناها، وقديمًا كانوا يسمونه بالواجب المقدس، البعض يفهم أن البر أن تقتطع مبلغًا من مالك، أو تقتطَع من دخلك مالًا تُعطيه لوالديك، عن طيب خاطر، حتى لو لم يكونا في حاجة إليه!


والحق أن هذا هو أدني أشكال البر، أن يعطي الرجل والديه شيئًا من المال، وربما يتلاشي هذا البرّ ويتحطم تحت ضغوط الحياة، وصعوباتها، وربما ينقلب الحال كما يحدث كثيرًا في أيامنا إلي عطاء من الوالدين للأبناء، لا ينقطع حتي يفارقا الدنيا، بل يتحمل الوالدان أعباء الأبناء حتى بعد أن يتزوجوا وينجبوا ويصير البر الحقيقي من الآباء لأبنائهم وليس العكس.

 
في الحديث الشريف "البر لا يبلي، والذنب لا ينسى والديّان لا يموت.. اعمل ما شئت، كما تدين تُدان".. فما البر الذي لا يبلى، ولا ينقطع مفعوله، ولا ينقطع أثره؟!


أعظم البر ما كان بلا كلفة ولا مشقة، ما كان دائمًا لا ينقطع، بر القلوب هو الاحساس والمشاعر، الرحمة والمودة، الرأفة والاحسان، كلمة طيبة، ابتسامة، مكالمة هاتفية، بشاشة عند اللقاء، صبر عند البلاء، مواساة عند المرض، تحمل في الكبر، مشاركة وجدانية، تواصل، رعاية، سؤال عند الغياب، حنو، عدم إبداء النفور والتأفف والضيق والغضب لسبب تافه، أو حتى بدون سبب!

 
البر الحقيقي ليس مجرد عبادات ظاهرة، بل منظومة متكاملة من الإيمان والعمل الصالح والتعامل الحسن مع الآخرين، يقول الله تعالى: "لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" [البقرة: 177].

 


البرُّ إيمان وعمل، سلوك وطاعة، إحساس بالآخرين وتقدير لهم، إنفاق على كل محتاج وخاصة الأهل والأقارب، صبر في اليسر والعسر، هذا ثمرة الإيمان، ما وقر في القلب وصدقه العمل!

الجريدة الرسمية