رئيس التحرير
عصام كامل

قراءة أخرى للمؤتمر الاقتصادي

يحتاج المرء لتقديم مذكرة إيضاحية قبل توجيه أي قراءة مختلفة تأخذ الشكل النقدي أو تشكل وجهة نظر ثانية للنظرة الأحادية السائدة حتى يفلت من اتهامات الأوصياء على العقل النقدي، حتى كادت ماكينة الإنصات إلى أصوات وعقول وأراء أخرى تصدأ تماما، ذلك أن أبجاديات التفكير العلمي لحل أى مشاكل تواجه المجتمعات هى المؤتمرات والمشاركة الاجتماعية والعصف الذهني للعقل الجمعي للمجتمع لتوصيف المشكلة ووضح الحلول..


فبعد المؤتمر الاقتصادي بساعات انخفضت قيمة الجنيه أمام الدولار بنحو ثلاثة جنيهات وعليه انخفضت مدخرات الناس بـ15٪؜ ففي 20  مارس 2022 كان الدولار بـ15.7جنيه وفي 27 أكتوبر 2022 الدولار بـ22.7 جنيه أي تقريبا انخفض 7 جنيهات في 7 شهور تقريبا وأصبح حديث الناس عن كيفية تدبير أحوالهم وكيف يواجهون الأسعار؟! صحيح أن الحكومة قدمت حزمة إجراءات اجتماعية ولكن الصحيح أن المؤتمر الاقتصادي كان عليه أن يقدم للمواطن خريطة توضح طريقة للتعامل مع الأزمة وهذه واحدة.


كان المؤتمر الاقتصادي فرصة للمكاشفة والمصارحة من قبل الحكومة لقطاعي المستثمرين والتمويل وما خرج به من توصيات ليس إلا خطوات إجرائية معروفة للجميع، وطالما شكا رجال الأعمال والمستثمرون من غيابها وكان المفترض أن يأتي المؤتمر الاقتصادي ليحل هذه المشاكل لا أن يستعرضها.. 

 

المهم بدا أن هناك بعض التوافق لبعض النخبة المختارة لكي يفتح الطريق لتوقيع الإتفاق مع صندوق النقد الدولى، غير أننا لم نعرف شيئا يقينيا عن الاتفاق أو البرنامج الذي تم التوافق عليه مع صندوق النقد، وإذا كان هناك برنامج فقد كان الأولى مناقشته وحساب تكلفته الاجتماعية والسؤال هو لماذا يقترن برنامج الإصلاح الاقتصادي بقرض من صندوق النقد الدولي.. 

توصيات المؤتمر الاقتصادي

 

برنامج إصلاح ٢٠١٦ كان مرتبطًا بقرض قيمته 12 مليار دولار، والمؤتمر الاقتصادي الراهن مقترن بمناقشات تمهد لقرض جديد وقد كان الرئيس السيسي محقا بقوله يمكن القول إن كل رجال الاقتصاد والمفكرين يستطيعون وضع خرائط قوية ومهمة جدًا، لكن الأهم هو النظر إلى كلفة القرار، فإذا كانت هذه الكلفة أكبر من العائد فلا داعي لاتخاذه ومع هذا لم نقرأ توصية واحدة عن تكلفة الاصلاح وبرنامج صندوق النقد الدولي ولم تكن من أولويات النقاش في المؤتمر بدليل اختلاف المفاهيم بين الحكومة وعلم الاقتصاد.. 

 

فقد قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن "السيطرة على معدلات التضخم في الوقت الحالي أهم من الحفاظ على سعر صرف الجنيه"، مضيفًا أن "بعض الدول قد تلجأ إلى خفض قيمة عملتها لتعزيز الصادرات"، علما بأن الدولار ارتفع بأكثر من 25 في المائة منذ مارس في مقابل الجنيه. وتسارع التضخم في مصر لأعلى مستوى منذ نوفمبر، إذ سجلت أسعار المستهلكين 15 في المائة.. 

 

ومن المعروف اقتصاديا بأن التضخم وسعر الصرف مهمان ومترابطان اقتصاديًا واجتماعيًا وعلى صعيد السياسات، ففي حين أن التضخم مقياس اقتصادي رئيس، لاسيما من ناحية القدرة الشرائية للمواطنين التي يلعب فيها سعر الجنيه دورًا أساسًا، فإن استقرار سعر الصرف أيضًا أمر بالغ الأهمية لجذب استثمارات جديدة للبلاد.


وقد تكون التوصيات والقرارات أيا كان الاتفاق أو الاختلاف معها مهمة ولكنها لا تطبق عند التنفيذ من صغار المسئولين، وما يلفت النظر إن مصر في أمس الحاجة لإصلاح  الجهاز الإدارى الذى يعتبر العمود الفقري للدولة والاقتصاد، فإن صلح هذا الجهاز صلحت الدولة والعكس وقد اعترف الرئيس أمام المؤتمر بذلك بقوله الجهاز الإداري للدولة لم يكن مستعدًا بالكفاءة المطلوبة لتنفيذ خطط الإصلاح الاقتصادي، لذلك نتحرك كدولة في مواجهة العوز والفقر عبر قدرات وموارد متاحة لدينا، وفي الوقت الحالي فإن الجهاز الإداري هو الذي يقود عملية الإصلاح والبناء.


ثم إننا دائما ما نتحدث عن الماضي، لكننا لا نعرف ماذا سنفعل في المستقبل، فالحكومة تعلم جيدًا طبيعة المشاكل التي يواجهها الاقتصاد، وخاصة مشاكل المستثمرين لذا كان متوقعا أن يشهد المؤتمر الاقتصادي عرضًا للحكومة لمجموعة حلول ومقترحات لحل مشاكل المستثمرين ومناقشتهم فيها، وليس سرد ما يعانونه من مشكلات.. 

 

 

إذا كنا نريد تشجيع القطاع الخاص يجب إتباع سياسات مالية واضحة المعالم دون أي تغييرات محتملة في أسعار الضرائب، أو إضافة ضرائب جديدة أو أي أعباء مالية خلال السنوات العشر القادمة، لأن مجتمع رجال الأعمال لديه قلق من عدم الشفافية والاستقرار في السياسات النقدية فيما يخص أدوات البنك المركزي سواء سعر الصرف أو الفائدة أو الاحتياطي، وعلينا أيضًا مراجعة أولويات الإنفاق الاستثماري لتحقيق نتيجة يشعر بها المواطن فى الشارع لأنه هو أساس أي إصلاح اقتصادي.

الجريدة الرسمية