رئيس التحرير
عصام كامل

مصر في المحكمة!!


كان الرئيس السيسي موفقا وحازما في كلمته في ذكرى مئوية السادات، وهو يشيد بالرجل الذي ظلمه بعضهم حيّا وميتا، خاصة وإن بعض دراويش الناصرية لم يتركوا نقيصة إلا وألصقوها بالرجل، دون أن يراعوا الحد الأدنى بذكر محاسن الموتى، وتزامن ذلك قبل يوم واحد من شهادة الرئيس الأسبق حسني مبارك في محاكمة الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعته، وبدا أن المصريين كانوا في انتظار شهادات رئاسية على أحداث نصف قرن من تاريخهم.


وجاءت تلك الأحداث بينما كان المصريون منهمكين في الهري اليومي ما بين الدايت الرئاسي والاختبارات الشفوية للمحافظين على الهواء، وفساتين رانيا يوسف ومعركة بشرى ومحمد رمضان، وأهداف محمد صلاح، حتى مثل حسني مبارك للشهادة في قضية اقتحام الحدود، وكانت المواجهة بين مبارك والإخوان، وهو من غض الطرف عنهم وتركهم يتوحشون حتى خلعوه، وهذا درس التاريخ، فكما أفرج السادات عنهم واستعان بهم في محاصرة اليسار وهو يتجه لأمريكا، انقلبوا عليه وقتلوه. 

ولذا فقد كانت جلسة الأربعاء الماضي بمثابة حصة في التاريخ، وكانت مصر حاضرة تمثل الادعاء العام في مواجهة رئيسين حكما البلاد لمدة ٣١ سنة، وكما هي العادة تحولت القضية لأهلي وزمالك، وانقسم المصريون شيعا وأنصار لمبارك والسيسي ومرسي، وراحت قنوات الإخوان تسخر كل أرشيفها ضد مبارك، بينما راح أبناء مبارك يغردون بالتهليل وإضفاء صفات الحكمة والوطنية عليه، وإنه رجل دولة يعرف ما يقال، وإنه فضل التنحي حفاظا على مصر، ولم يغادر وطنه، وأنه حفظ مصر من الدخول في أي مغامرات عسكرية. 

وفِي الوقت نفسه انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بوست بعنوان "لو كنت قاضي كنت هسأله" ينتقد مبارك بأنه السبب في توحش الإخوان عندما تركهم يقيمون اقتصادا موازيا، وسمح لهم بالسيطرة على النقابات، والتسلل لكل مؤسسات الدولة، واتهامه بالتقاعس عن إصلاح البنية الأساسية، وتخريب الزراعة، وإهمال الصناعة، وعمل سلخانات في الأقسام من قبل الأمناء، وينتهي البوست بعبارة هذه وجهة نظري.

وواضح إنه من صياغة اللجان الإلكترونية، بينما راح الإخوان يعرضون هرتلات الفضائيات أيام هوجة يناير، وتأكيدات مصطفى الفقي بأن رجال جمال مبارك هم من فتحوا السجون وأقسام الشرطة لضرب المتظاهرين، وفِي الوقت نفسه خرج نشطاء يناير يقولون إن ما قاله مبارك بمثابة اعتراف بأنه كان في غيبوبة سياسية بدليل وجود مؤامرة من ٢٠٠٣، ولم يفطن لها، ووجود مئات الأنفاق ولم يتم تدميرها. 

ثم كيف لمجموعة إرهابية من ٨٠٠ عنصر قادرة على اختراق الحدود وتحرير السجناء وبث الفوضي في ميادين، وهو إذا صح يدين كثيرا من أجهزة ومؤسسات البلد، وهكذا بدت المحاكمة وكأنها جلسة استماع لما حدث في تلك الأيام، وكالعادة نحن منقسمون في كل شيء، والتشرذم هو سيد الموقف، ومصيبة ذلك أنه لا يسمح بأي توافقات وطنية، وهو ما حذرنا منه ابن خلدون منذ سبعمائة سنة في مقدمته. 

فقال "عندما تشرف الدول على النهاية يكثر المنافقون والمدعون والمنجمون والمداحون والهجاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون ويختلط ما لا يختلط، ويختلط الصدق بالكذب، ويلوذ الناس بالطوائف، وتعم الشائعات، ويتحول العدو لصديق، والصديق لعدو، ويعلو صوت الباطل، ويخفق صوت الحق، وتظهر على السطح وجوه مريبة، ويضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء، ويتحول الوطن إلى محطة سفر".

وخلال ذلك كانت نقطة الضوء الوحيدة في كلمة السيسي وهو ينصف السادات من لغط المدعين، وكانت هذه هي المرة الأولى التي ينظر فيه الرجل للماضي بغضب وإنصاف، ويسجل شهادة الدولة الرسمية فيما أنجزه السادات، وتبقي شهادته الرسمية عما حدث منذ ٢٥ يناير وحتى تسلمه السلطة، وإزاحة الستار عن يوميات الفوضي والغضب. 

وإذا كان السيسي قد لخص الأمر بقوله إن ما جرى كان علاجا خاطئا لتشخيص خاطئ، غير أن التفاصيل مهمة لحسم تاريخ تلك الفترة التي لا تزال الأمة منقسمة بشأنها، رغم أن أحداثها لا تزال ساخنة. ومعظمهم إما عايشوها أو شاركوا فيها، وعندما ذهبت للمحكمة استمر الانقسام والتخندق في كهوف أهل الكهف.
الجريدة الرسمية