«رسائل الموت».. عنف «الإرهابية» يفرض إستراتيجية أمنية.. انتشار ظاهرة الانتقام دليل على الرفض الشعبي.. «أنصار بيت المقدس» تتبنى تحويل الشباب لقنابل بشرية تحرق «الوطن&
يبعث واقع الفواجع اللئيمة المخلوطة بسموم المؤامرات والتي يترجمها المتآمرون، عدة رسائل تفرض على المصريين من مختلف مواقعهم إعادة صياغة أنماط التعامل مع ما يجرى وفق ما تمليه الضرورة والمعطيات، بعد أن صار فقد الأحبة وغير الأحبة ضريبة يدفعها الجميع قسرا، دون تفسير أو سبب معقول لهذا لقتل الأعمى، الذي أراد المخططون والمنفذون لتفجيرات اليوم الجمعة أن يكرسوا من خلاله صورة ذهنية لـ "مصر المحترقة".
أول تلك الرسائل أن ما يجرى تنفيذه الآن من جرائم عنف يختلف كثيرا عن سيناريو التسعينيات، الذي كانت أعمال العنف فيه محددة ومرصودة، من حيث التخطيط وطرق التنفيذ وقنوات التمويل وحدود الانتشار، مع محدودية اللجوء إلى "فقه الموت" و"المال السياسي" الذي كان محدود التأثير في تلك المرحلة.
أما ثانى الرسائل هو انهيار الحدود بين الدينى واللادينى في تبنى فكر العنف، وهو ما كرسته عمليات الاختراق الناتجة عن ارتباط المصالح بين مجموعات الإسلام السياسي وتلك المجموعات المتناقضة معها فكريا، بسبب اصطفاف الجانبين عند حدود الانتقام من القوى السياسية والأمنية التي رجحت خيارات الاستقرار والبناء للدولة المصرية بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو.
فيما تؤكد الرسالة الثالثة أن الخطورة تتجسد عندما يفلت الزمام ويصبح الانتقام ظاهرة، بينما تتقلص إلى أدنى مدى مشاعر الوطنية والإنسانية، فيقف الناس متفرجين على بلدهم وهو يضطرب تنهشه أصابع الغدر والمارقون، غير مكترث للدماء التي تسال والدمار الذي يحرق كل شيء، وهو ما أظهرته تعليقات البعض الشامتة والمبتهجة بما حدث من دمار ودماء على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يفرض ضرورة لاختيار فيها وهى التوحد بين المصريين والصمود خلف جدار الوطن.
ورابع تلك الرسائل الدموية يمكن قراءتها بين سطور البيان الذي أصدرته جماعة "أنصار بيت المقدس" للإعلان عن مسئوليتها عن انفجار مديرية أمن القاهرة، وهى مدى التشويه الذي لحق بذهنية منفذي الهجوم الانتحارى، وكيف نجح المخططون والممولون للعنف في تحويل شباب بريء – فشل المجتمع في استيعاب حماسته الدينية – إلى قنابل بشرية تحرق "حدود الوطن" بدعوى إقامة "حدود الله".
وتفرض تلك الرسائل مجموعة من الضرورات التي يجب البدء في تنفيذها، بالإضافة وضع الخطط طويلة المدى للتعامل على كافة المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية مع ما يجرى باعتباره مرحلة تشبه الحرب غير التقليدية، وأن النصر في تلك الحرب ليس رفاهية ولا اختيارا إنما هو فرض عين على الجميع، وضرورة تفرضها قواعد لعبة البقاء على قيد الحياة.
وأول تلك الضرورات هي دحض "فقه الموت" ومحاربته أينما حل حتى لا تصبح مصر رهينة لهذا الفكر الأعمى، فمثل هذا الفكر ومن يروجه يريد أن يوقف الزمن عند "حدود الدم"، فالنصر على من يخالف هذا الفكر من وجهة نظر أصحابه لا ينبت إلا عندما ترويه الدماء، لأن المعارضين له يقفون بالمرصاد ضد تطبيق ما يرونه "شرع الله"، وهو الأمر الذي يستوجب قتلهم أينما وجدوا ومحاربتهم في كل المواقع.
ومن خلال متابعة البيان الصوتي الذي بثته "أنصار بيت المقدس" عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" بصوت شخص أطلق على نفسه المجاهد "أبو أسامة المصري"، يمكن للمراقب أن يدرك مدى فشل الخطاب الديني الحالي في الوقوف بوجه تلك التنظيمات المتسترة بالدين، ومنعها من الفوز بالمزيد من المتطوعين، الذين يتحولون بعد مرحلة غسيل مخ إلى قنابل بشرية يمكن أن تنفجر بوجه الوطن في أي وقت، من خلال تزييف العناوين الشريفة للدين الحنيف وتجيير المواقف لصالح ما يروجون له من أهداف أهمها "الخلافة الإسلامية".
فالتسجيل الصوتي يعلن الخبر باعتباره نصرا يزفه إلى الأنصار والأعوان والأتباع، وهو ما يفسر حقيقة توجهات الفكر الذي يتبناه التنظيم وغيره من التنظيمات المتطرفة والذي يضع المجتمع بالكامل خاصة قوات الجيش والشرطة في خانة "الردة" التي تستوجب دك الحصون.
كما حمل التسجيل الصوتي العديد من الرسائل الإرهابية والمتطرفة، تحاول تكريس فكرة الصراع بين الحق والباطل ودور الغرب الصليبي في إفشال "حلم الخلافة الذي أصبح وشيكًا "، وأن الأمة تقف على أعتاب مرحلة جديدة، بعد انحسار ما يسميه "الكفر العالمي"، وأن بعض المصريين يقفون موقف المتفرج أمام هذا الصراع أمام "قتل الإخوان المسلمين"، وذلك لأنهم يحاولون أن يرفعوا راية الإسلام، وهو ما يسهم في توضيح الرابط بين الواجهات السياسية التي تزعم السلمية والتنظيمات التي ينصب عملها على تجنيد الانتحاريين والقذف بهم إلى ميادين الموت.
ولا نبتعد كثيرا عن مدلولات فشل الخطاب الديني الذي يجب تطويره، عندما ندرك أن موجة العنف هي تعبير عن حالة تمرد وإنكار، يتجه بها مرتكب العنف تجاه مجتمعه وناسه لعدم قدرته على التكيف مع قيمه وتقاليده وأوضاعه، فمواجهة "فقه الموت" الذي يتخذ العنف منهجا للحياة يبدأ من قواعد المجتمع ومنظوماته القيمية، ثم البناء على تلك المنظومات دينيا بما يتوافق مع تطورات عصر التقنية والمعلومات، وليس من خلال الخطابات المتشابهة وأساليب النصح العقيمة.
فالنبى صلى الله عليه وسلم يقول: "ما كان العنف في شىء إلا شانه"، والشين هو العمل المستبشع المكروه الذي يصبح وصمة اجتماعية وسياسية لفاعله، وكلمة الشين التي استخدمها النبى صلى الله عليه وسلم تحمل دلالة ذات طابع اجتماعي ونفسى، بل تاريخي، ومن ثم فإن العنف "شؤم وشين" يورث فاعله إثما نفسيا واجتماعيا قد لا يمكنه التخلص منه في المستقبل، وهو ما يمكن البناء عليه لدحض فكر الموت الذي ينتج العنف في أعلى وأبشع مستوياته.
وكلمة عنف في "لسان العرب" تعبر عن عجز العنيف والعانف عن أن يتكيف مع مجتمعه، ومن ثم يخرج عليه بالسلاح يهدد أمنه واستقراره، وقد كانت بين العانف وبين مجتمعه روابط وصلات يتنكر لها ويتجه بفعله تجاه من كان يحبهم ويتعايش معهم بالأمس، فالعنف يؤشر إلى عدم قدرة فاعله على التكيف مع مجتمعه، وهو ما يحتم ضرورة استيعاب الطاقات الشابة قبل أن تتحول إلى قنابل موقوتة، تقع في شراك " مافيا تجنيد الانتحاريين " التي تستند إلى تفسيرات غير حقيقية للآيات القرآنية تسهم في تدعيم فكرة الانتحار باعتبارها الطريق الأقرب إلى الفوز بالحور العين في جنة الخلد بعد "قتل أعداء الله والدين" من الطواغيت وأعوانهم والمرتدين والغافلين، وهذه الكلمات يندرج تحتها أي إنسان لا يتبع " فقه الموت"، مهما بلغ تدينه.
وتفرض ضرورة محاربة "فقه الموت" تفهم طبيعة المشكلة وهى أن العمل العنيف الذي نراه ليس هو مجرد اللحظة التي يطلق فيها منفذ العمل قنبلته أو صاروخه أو قذيفته أو طلقته أو يفجر نفسه، ولكن ما نراه هو نهاية سلسلة من عمليات التعبئة والحشد والتثقيف والبنية الذهنية التي تقود الشخص المستهدف الذي جرى تجنيده إلى ممارسة العنف بهذا الشكل المفزع.
وإذا كان تطوير الخطاب الديني ضرورة تفرضها تطور طبيعة منظومة "القنابل البشرية" بدءا من المنظرين للفكر مرورا بالمروجين والمجندين والمنفذين، إلا أن تطوير إستراتيجية التعامل الأمني مع تلك الظاهرة التي تنذر بمزيد من الخسائر والتدهور بات أمرا حتميا لا يقبل التخاذل أو التباطؤ، حتى نوقف نزيف الدم ونقطع الطريق على ما يجرى الإعداد له من مخططات تريد إحراق الأخضر واليابس.
ففى أوقات الأزمات والتحولات والاضطرابات تنفتح أبواب العنف أمام جماعات التشدد الحالمة بتدمير المجتمعات وإعادة بنائها وفق ما يتوافق مع أفكارها، وقد أنتجت التطورات التي شهدتها مصر بعد ثورة 25 يناير أرضية مناسبة لاحتمالات الانفتاح على العنف، وهو ما ترجمته جماعات العنف الديني إلى تفجيرات وعمليات استهداف في مناطق بعيدة عن المركز في سيناء، سرعان ما انتقلت إلى قلب الدولة المصرية في القاهرة والجيزة.
وأيا كانت قدرة الدولة سواء في مصر أو غيرها من الدول التي تفوقها في الإمكانيات، فإن مواجهة العنف الذي تطور إلى أقصى درجاته وهو "القنابل البشرية" لا يمكن أن يجرى بعيدا عن معالجة الحواضن التي يلجأ إليها أصحاب "فقه الموت"، بمعنى اللجوء إلى القاعدة العريضة للمواطن الحريص على استقرار بلده، حتى لا يصبح ظهيرا وملاذا آمنا لتلك الجماعات المتطرفة.
كما أن الدولة المصرية مطالبة بتطوير إستراتيجيتها الأمنية دون اللجوء إلى إجراءات غير ديمقراطية لمواجهة العنف، لأن العنف بطبيعته يعبر عن حالة انهزامية تستطيع الإجراءات العادية هزيمته بمزيد من الدعم الشعبي، حتى لا يغير العنف مسارات التأسيس لمجتمع ديمقراطي يقوم على التعددية والتسامح ودولة القانون بعيدا عن الحظر والطوارئ واستخدام الحلول الأمنية.
ولعل قراءة متعمقة لمسارات العنف الديني التي تكرس لمفاهيم ربط العنف الدموي بفكر جماعة الإخوان، يمكن من خلالها رسم سيناريوهات لمستقبل العنف الديني في مصر، فجماعة الإخوان الإرهابية مارست العنف حين كان لديها التنظيم الخاص الذي قتل أحد شبابه النقراشى باشا، كما قتل أعضاء التنظيم الخاص القاضي الخازندار، وامتد عنف التنظيم الخاص لأعضائه أنفسهم فتم قتل سيد فايز، عضو التنظيم الخاص، وظلت الجماعة تحاول التخلص من شبهة العنف من خلال التحول إلى السلمية، وتم قبولها كجماعة ضمن الحركة الوطنية، وعرفت الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد العنف، ودخلا في مواجهة طويلة مع النظام المصري في التسعينيات حتى أعلن أعضاؤهما عمل مراجعات فكرية نبذوا فيها العنف وعادوا للعمل السياسي بعد الثورة.
إلا أن ما يضرب مصر حاليا من موجات عنف تجاوزت حدود المعقول في التخطيط والتنفيذ، يؤشر إلى بروز منظومة جديدة من جماعات التشدد التي لا تؤمن بإمكانية المراجعات والتحول إلى السلمية والدخول إلى منظومة الشراكة السياسية، باعتبار أن النظام القائم يجب تدميره بالكامل والضرب بيد من حديد على كل من يدعمه أو حتى يقف موقف المتفرج من ممارساته، وهو بمثابة القفز على منهج التصالح أو الحوار الذي لجأت إليه التنظيمات الدينية التقليدية في الماضي.
ويقودنا هذا النهج الجديد لمجموعات العنف الديني إلى ضرورة اتخاذ إجراءات جديدة تتوافق مع الممارسين الجدد للعنف، أولها تجفيف المنابع التي بات من الصعب تتبعها داخليا وخارجيا، والوقوف بحزم أمام أي دولة تدعم تلك المجموعات، فالحرب على الإرهاب لا تقبل أنصاف الحلول أو المواءمات السياسية، خاصة إذا كانت تلك الحرب مدعومة بظهير شعبي لا يقبل أن يستمر في دفع أثمان باهظة بسب فساد " فقه الموت".
تجدر الإشارة إلى أن سيارة مُفخخة استهدفت مبنى مديرية أمن القاهرة فى السادسة والنصف صباح اليوم الجمعة ، وأعلنت وزارة الصحة أن الحادث أسفر عن استشهاد 4 أشخاص وإصابة 76 آخرين , كما وقع إنفجار بمحيط محطة مترو البحوث، جراء انفجار قنبلة بدائية أسفل شركة سيارات كبرى في المنطقة أثناء تواجد 3 سيارات أمن مركزي في محيط الشركة بالقرب من منطقة كوبري الخشب , وأسفر عن إستشهاد ضابط وإصابة 4 مجندين ، كما وقع إنفجار بجوار قسم شرطة الطالبية دون وقوع إصابات.
