حساب السماء وحساب الأرض!
كل المتدينين، سواء كانت ديانتهم سماوية أو أرضية، يؤمنون أن الرب مالك الملك والإله العظيم الجبار الرحيم سوف يحاسبهم على أعمالهم وأقوالهم في حياتهم، ويطمحون في رحمته قبل عدله ليظفروا بعفوه عما ارتكبوه من أخطاء وخطايا، ولكن هذا الحساب الإلهي أو حساب السماء لا يلغي حساب الأرض! أو يمكن أن يكون بديلا له!
فإن الإنسان يحاسب مرتين.. مرة في حياته وهو على الأرض ومرة ثانية من السماء بعد أن تنتهي حياته، وحساب الأرض لا يقتصر فقط على الحساب الاجتماعي والقانوني أي القضائي، وإنما هناك أيضا الحساب السياسي والذي يتم إما عبر الإعلام والصحافة والأعمال الفنية والأدبية، وأداة هذا الحساب الأساسية النقد الذي تختلف فعاليته من مجتمع لآخر حسب مساحة حرية الرأي المتاحة في المجتمع..
وأضيف إلى وسائل الإعلام والصحافة في السنوات الأخيرة أيضا وسائل التواصل الاجتماعي التي فاقت في تأثيرها وفعاليتها الإعلام والصحافة.. وتعد صناديق الانتخابات الآلية الأساسية في المجتمعات الديمقراطية للحساب السياسي، حيث يمنح الناخبون أصواتهم لمن يرضون عنه من أشخاص وأحزاب، ويحجبون أصواتهم عمن لا يحظى برضاهم، وهذه الآلية للحساب السياسي تكون فاعلة ومؤثرة عندما تتوفر سلامة هذه الصناديق، وعدم التدخل في العملية الانتخابية وأيضًا عدم توجيه الناخبين أو شراء أصواتهم!
ولكن يؤخذ على هذه الآلية للحساب السياسي ما بات يعرف بالتصويت العقابي أي منح الناخبين أصواتهم لمنافس عقابا لمنافس آخر، أي كرها في زيد وليس حبا في معاوية! ومع ذلك ما برح صندوق الانتخاب هو ألية الحساب السياسي الأساسية التي اخترعها البشر حتى الآن مع الصحافة والإعلام بالإضافة لوسائل التواصل الاجتماعي التي صارت آلية لتحقيق التغيير السياسي في الدول أيضا.
على كل حال الحساب الأرضي موجود لا يمنعه وجود حساب سماوي وكل من يعمل في العمل العام سواء كان مسئولا أو يسعى لأن يكون مسئولا معرض دوما للمساءلة والحساب الأرضي، وهو يتعين عليه أن يكون مستعدا لذلك، ولا يستهجنه أو يستنكر حدوثه أو يرفضه ولا يقبله.. فهذا ثمن العمل العام، وخاصة العمل السياسي، وبالتحديد إذا كان هذا العمل هو ممارسة واشتراك في الحكم، فالمساءلة والحساب ضريبة لا مناص من دفعها في العمل العام والسياسي.. وهي بهذا المعنى ليست اختيارية وإنما اجبارية ولا يلغيها حساب السماء.
