رسائل إلى ابنتي.. كرامة الصغار أغلى من الذهب
لا تزال تلك النظرة محفورة في وجداني كجمرة لا تنطفئ، مشهد يعود بي سنوات إلى الوراء لكنه يصفع روحي كلما تكررت المأساة في صور جديدة؛ كنت أخطو داخل إحدى المدارس الخاصة في الجيزة مع إشراقة أول أيام العام الدراسي، لأدفع مصروفات ابنتي وهي في الصف الثالث الابتدائي، فإذا بمشهد بائس يمزق شرايين القلب..
إدارة المدرسة أقامت في المدخل طابورًا للعزل والفرز، عزلوا فيه التلاميذ الصغار الذين لم يسدد أولياء أمورهم المصروفات بعد، هكذا استقبلت المدرسة أبناءها في أول يوم دراسي! في مشهد مهين يقف فيه صغار هكذا وكأنهم في قفص مكشوف، وكانت طفلتي بينهم!
التقت عيناي بعينيها الصغيرتين؛ نظرتْ إليّ في ألم مكتوم وانكسار طفولي لا يُمحى، سألتُ المدرسين بذهول: ما هذا؟! ماهذا المشهد؟ فأجابوا ببرود آلي: الذين لم يدفعوا المصروفات!
أمام انكسار تلك النبتة الغضة وزملائها الذين جمعهم الألم، لم أنطق بحرف؛ فالكرامة حين تُجرح لا تقبل الجدل مع الجناة، خرجت مباشرة إلى وزارة التربية والتعليم في شارع الفلكي وقلبي ينتفض، صعدت إلى مكتب الوزير وقدمت شكواي، وأُحيلت في لحظتها لمديرية التعليم بالجيزة، ونزل فريق تحقيق فوري أثبت التصرف غير القانوني وغيرالتربوي وعوقبت الإدارة واعتذروا..
ونقلت ابنتي في نفس اليوم، لتصبح في صبيحة اليوم التالي داخل محراب مدرسة جديدة تحفظ كرامتها وتعيد إليها ابتسامتها، يومها كتبت: «لا تهينوا أبناءكم مهما كان الثمن.. استردوا حقوقهم صغارًا، يحترموا أنفسهم ويحترموا مجتمعهم ويحترموكم كبارًا».
قفزت تلك النظرة المؤلمة وتلك الذكرى الموجعة إلى خاطري وأنا أطالع المشهد الصادم الذي تناقلته الشاشات ومنصات التواصل لزينة الطفلة المصرية في عمر الزهور، تمارس حقها في اللعب والحياة وتنافس في بطولة دولية لتنس الطاولة تحت 12 سنة على الأراضي الإنجليزية..
وبدلًا من أن تتلقى الرعاية والتشجيع من مدربها، فاجأها بصفعة قاسية ومهينة أمام العدسات وأعين الناس، ولم تكن الكارثة في قسوة مدرب تجرد من أبسط معاني التربية فحسب، بل في ذلك الدفاع الغريب الذي خرجت به الأم لتبرر سحق كبرياء ابنتها، وتصف الإهانة بأنها حرص مشروع لمدربها!
إن هذا الانحدار يستدعي على الفور دستور بنت النيل وكتابها الخالد: رسائل إلى ابنتي، للمفكرة الكبيرة الراحلة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد؛ تلك القامة الوطنية وحارسة الهوية المصرية التي اختارت منظمة اليونسكو كتابها الذى أبدعته قبل ستة عقود كواحد من أرفع الكتب الإنسانية في بناء الأمومة والطفولة.
لم تكتب نعمات أحمد فؤاد لابنتيها «حنان» و«فينان» نصائح تدبير منزلي عابرة، بل صاغت وثيقة لتحرير الروح وبناء الكبرياء تفيض بمبادئ لا تسقط أبدًا بالتقادم، أولها حرمة الكرامة وحصانة الجسد فلا قيمة لمجد أو علم يُشترى بإهانة الروح وابتلاع الهوان، وثانيها أن الأمومة والأبوة درع حماية لا مقصلة تبرير، وحين يتواطأ الأب أو تبرر الأم كسر نفس الطفل، تسقط حصون الأمان الداخلي في ضميره إلى الأبد.
ويبقى الأهم أن نؤمن أن البطولة الحقيقية والنجاح المكتمل هما بناء إنسان سوي عزيز النفس؛ أما الميداليات فيعلوها التراب، وشهادات التفوق تبهت إن رافقها انكسار الشخصية، وأيضًا ضرورة مواجهة ممارسات تفتقد أبجديات التربية، فلا نلبس القهر والبطش ثوب الحرص والتعليم؛ فالتربية الصالحة تقوم على قيم الحق والخير والجمال..
والجرح الذي يصيب روح الصغير بالتغاضي عن ظلمه يظل ندبة غائرة في عمره كله، ومن رسائل نعمات أحمد فؤاد حتمية صناعة الإنسان الحر المستقل، فالغاية الكبرى من التعليم والتربية هي تخريج عقل حر واع يناقش ويختار، لا كائن ضعيف يُصفع على طاولات اللعب بعصا اللامبالاة والقهر الملون.
إن ما شهدته ابنتي يومًا في مدرستها الابتدائية، وما واجهته الطفلة زينة في إنجلترا بالأمس القريب ومئات الحالات التى نرصدها بعيدًا عن الكاميرات والسوشيال ميديا، صرخة إنذار متكررة تدعونا لمراجعة المنظومة التربوية بأكملها؛ ومن هنا أجدد الدعوة الوطنية المخلصة إلى وزارة التربية والتعليم أعيدوا طبع كتاب رسائل إلى ابنتي للدكتورة نعمات أحمد فؤاد، واجعلوه مقررًا وطنيًا وأخلاقيًا في مناهجنا المدرسية.
علموا الصغار أن عزة النفس هي الميدالية الذهبية الكبرى، وكونوا لهم دروعًا تحميهم حين يشتد عصف القهر؛ فالطفل الذي يرى والده ينتزع له حقه بكرامة لن يرضى بالهوان وطنًا ولا لوطنه هوانًا، والابنة التي تُربى على الشموخ ستصبح غدًا سيدة تصنع المجد وتبني أمة بعزة: حقك على رأسنا يا "زينة" البنات.
