بدل مظهر
ورقة عندما قرأت تفاصيلها انتابتني حالة لا أعرف مسماها على وجه الدقة خليط عجيب بين حزن وحسرة.. ضحك وبكاء.. استغراب وصل حد الرغبة في الصراخ بأعلى ما في صوتي من طبقات.. هدوء بمذاق الغليان.. وكل ما استطعت فعله هو أن لساني بات حائرًا بين الحوقلة والحسبنة.
إنها ورقة مفردات راتبي بعد ثلاثين عامًا بذلت فيها كل جهدي كي أكون صوتًا للناس. لسان حالهم.. سببًا في تشكيل وعي حقيقي لديهم وليس زائفا.. ثلاثون عاما اعتبرت فيها الكلمة أمانة أحاسب عليها أمام الله يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا مناصب.
هالي ما رأيت في تلك الورقة اللعينة من حجم الاستقطاعات التي تقترب من ثلث الراتب، ولكن الكارثة الحقيقية هي في ذلك الرقم الذي وضع تحت بند بدل المظهر، قرأته أكثر من مرة بنظارتي النظر والقراءة وبدون نظارة علّه يكون ناقصا صفرأو صفرين أو أصبت أنا بالتهيؤات، ولكن قبل أن أذكره وجب عليّ تنبيه السادة مرضى السكر والضغط وحصوات الكلى والمرارة بأن يتوخوا الهدوء، ورجاء امنعوا الضحك.
كم المبلغ يا سادة؟ 50 جنيها.. آه والله زيمبقولكم كده 50 جنيها بدل مظهر لمذيعة في الإذاعة المصرية العريقة التي توالى عليها على مدار الثلاثين عاما التي عملت فيها رؤساء إذاعة كثر، استغرب كيف لم يفكر أحدهم في زيادة هذا المبلغ؟! طب حتى كانوا خلوهم 75 أو 100 مقفولة أهي تبقى بقيمتها برضك.
والسؤال الأهم ألم يصابوا بأي نسبة خجل من هذا الرقم؟! وماذا ستكون ردة فعل كل من سيرى ذلك المبلغ سواء شخصية حقيقية أو اعتبارية؟! بلااااش ما موقفي أنا أمام أولادي؟! وماما المذيعة راحت وماما المذيعة جت، وفي نهاية المطاف ماما تأخذ خمسين جنيه بدل مظهر، ذلك المصطلح الذي ظلمه المبلغ ظلمًا بينًا، وأقترح استبداله بصدقة جارية أو بدل الشاي بتاع المذيعين، أو أجرة الميكروباظ، أو ثمن تذكرة المترو، إنما بدل مظهر عيب والله. وبهذا يتوافق المسمى مع المبلغ بدل ما إحنا نتجلط.
ده لو الفنان أحمد مظهررحمة الله عليه بذات نفسه كان على قيد الحياة لرفع قضية رد اعتبار للزج باسم عائلته في هذا الأمر، والسؤال الأكثر أهمية ماذا سأشتري بهذا المبلغ الضخم كي أكون مذيعة أنيقة وواجهة مشرفة لمكان عريق كالإذاعة المصرية، أخذت أفكر وأفكر فهداني تفكيري المصاب بالفصام عن الواقع، وقلت في نفسي دا أنا هخربها سنييهات وبيوت أزياء عالمية وجزم وشنط مستوردة وحاجات آخر عظمة.. خمسين جنيه بقى مش أي كلام!
وإذا برأسي ترتطم بأرض هذا الواقع المرير، واستفقت وقررت الذهاب إلى وكالة البلح واشتري فردة شراب وابقى استلف الثانية وأمري لله.
