حجاب النخبة
ذات يوم بعد سنوات ليست بالقليلة من التحاقي بالإذاعة المصرية ذهبت إلى مكتب رئيس الشبكة وقتها كي أطلب منه التوقيع على إحدى الأوراق، والذي كنت وما زلت أعتبره واحدا من المذيعين الأكفاء والمديرين الناجحين، كان مقتنعا بقدراتي كمذيعة وبمستوى ثقافتي، وإذا به يقول لي: أقلعي البتاع اللي على دماغك ده وأنا أوديكي قناة كذا وسمى القناة، والبتاع الذي يقصده كان حجابي.. صدمتني كلماته وسارعته بقولي بالتأكيد لن أفعل، لأن أبي علمني ألا أتنازل عن مبادئي كي أحقق أحلامي، والحجاب بالنسبة ليس فقط فرضا بل هو مسألة مبدأ.
صدمت من هذا الموقف ليس لوجهة نظره في الحجاب لأنها مساحة حريته وقناعاته، ولكن لأنه يعتبر من النخبة ذلك المصطلح الهلامي الذي لا أعرف له تفسيرا محددا؟! ولا ما هي المحددات التي نصنف على أساسها إذا ما كان شخص ما ينتمي للنخبة هذه أم لا؟! ولا من المنوط به تصنيف ما إذا كان هذا الشخص من النخب أم لا؟! وهل كل من قرأ كتابين وكتب مقالين واستخدم غرائب المصطلحات والتعبيرات بات من النخب؟! كما أنني لا أعرف ما سبب ذلك العداء بين تلك النخبة المزعومة والحجاب، ولماذا يعتبرونه سببا في تراجع البلد سنوات إلى الوراء؟!
فقد استفزني جدا بوست لأحد هؤلاء مصحوبا بصورة لطابور الصباح في أحد المعاهد الأزهرية.. بنات في عمر الورد يرتدين الزي المدرسي كغيرهن في المدارس الأخرى، فإذا بالرجل يطرح سؤالا مستفزا من وجهة نظري.. شوفتوا مصر وصلت لفين؟!
أنا هنا لا اتحدث عن فرضية الحجاب من عدمه فمن تراه فرضا ترتديه ومن تراه غير ذلك فلا، أنا أتحدث عن تلك الحساسية الشديدة التي تصل حد الهَرْش، والهَرَش الذي يصيب هؤلاء الذين يعدون من النخب عندما يرون الحجاب في الوقت الذي تنزل على قلوبهم مشاهد لفتايات يرتدين الكروب توب بردا وسلاما. والكروب توب لمن يجهله هو ربع متر قماش فُصلّ كي ترتديه الفتايات، ولهن مطلق الحرية في ذلك طبعا، بل ونحترم هذه الحرية رغم أنهم يسيرون شبه عاريات البطون.
ولأن الحجاب من وجهة نظري هو حجاب العقل وليس غطاء الرأس، فإنني أرى أن مثل هؤلاء هم المحجبون لأنهم أغلقوا عقولهم على فكرة لا يستطيعون التنازل عنها، بل ويحاربون الأفكار المختلفة معهم بكل قوة وشراسة، والغريب أن هؤلا هم الذين يصدعوننا ليل نهار باحترام قناعات الآخرين، وما ينتمون له من أفكار وآراء.
إن أفة مجتمعنا هذه الأيام ليس في تلك الجدلية العبثية في أن الحجاب فرضا أم لا، ولا في أنه كما يرونه سبب العودة إلى الظلامية أم لا؟ الأزمة الحقيقيه تكمن في أن المختلف مع هؤلاء إما خائن وعميل أو جاهل ورجعي.
