رئيس التحرير
عصام كامل

عجينة طعمية

18 حجم الخط

منذ يومين كنت في مكتب البريد أستخرج بعض الأوراق.. كان الزحام شديدًا يصل إلى الشارع.. أنهيت مهمتي وعند خروجي من الباب إذا بموظف الأمن مشكورا يحث الناس على أن يوسعوا لي الطريق، انتشيت بعض الشيء وظننت أن شهرتي وصلت إلى البريد، ولكن يا فرحة ما تمت وجدت الرجل يقول: معلش يا جماعة نوسع للحاجة عشان تعدي.. لم أعرف أأضحك أم أحترم سني وكوني حاجة وأسكت؟ فاخترت الثانية.

ولأن من عاداتي الغريبة أنني عندما ينتابني الغضب -مثل الذي انتابني بسبب تلك اللفتة الرقيقة من رجل أمن البريد- أو الحزن أجوع.. فقررت الذهاب لأشتري طعمية.. قلت للطعمجي - وطعمجي هو بائع أو صانع الطعمية مثل الطرشجي بائع الطرشي والمقطع جي أُخذ من التركية ويدل على صاحب المهنة أو الحرفة مثل عربجي وتومرجي وغيرها- لو سمحت عايزة بـ30 جنيها، فإذا به يعطيني كيسين من الورق ويقول لي خذي 15 قرص.. 

بعد لحظات استغراب عرفت أنه فهمني خطأَ، فأنا أريد عجينة طعمية كي أطهوها في بيتي وزيتي وسمسمي، وبعد أن تم تصحيح اللبس في قضية الطعمية هذه سألت البائع هو قرص الطعمية أصبح بجنيهين، فرد: من زمااااااان.

سرت أنا والطعمية نفكر ونحسب حسبة برما لنفترض جدلا وفرضا يعني أن أسرة مكونة من أربعة أفراد (أب وأم وصبي وصبية) قرروا أن يفطروا طعمية وقلنا مثلا إن لكل فرد منهم ثلاثة أقراص فهم يحتاجون إلى 12 قرص في 2 جنيه سيكون الناتج على الآلة الحاسبة 24 جنيه، طعمية حاف ولو أضفنا العيش إلى منيو الغلابة هذا وفرضا فرضا برضك أن كل واحد من الأربعة سيأكل رغيفين.. 

والرغيف الـ80 جراما الذي يذهب أدراج الرياح في لقمتين سعره 2 جنيه، فهذه الأسرة ستحتاج إلى ثمانية أرغفة بتكلفة 16 جنيها على 24 طعمية يبقى ناتج المسأله 40 جنيهًا عيش وطعمية فقط، لفطور أسرة مكونة من أربعة أفراد، ولا قولنا طرشي لزوم فتح النفس ولا حتة برنجانة مخللة، ولا طبق فول بالزيت الحار، مع الأخذ في الاعتبار أننا لم نصل بعد إلى رفاهية البيض الأومليت والجبنه الرومي واللانشون.

40 جنيها عيش وطعميه فقط يوميًا -على اعتبار أن هذه الأسرة لا قدر الله وربنا يكفينا الشر هتفطر كل يوم- سيكون مطلوب 1200 جنيه شهريًا لوجبة عيش وطعمية فقط ليس غير.

كيف لهذه الأسرة أن تعيش وبماذا سيفكر رب هذه الأسرة وإبنه الصبي وهما جالسين يستمعان إلى خطبة الجمعة الموحدة التي تحدثه عن حتمية الصبر، وأن قوة الإحتمال فرض عين؟! هل سيصدقان البيانات التي تنهال علينا ليل نهار عن المسار الصحيح وأن القادم أفضل؟! هل سيتجاوبان مع الإعلام الذي سّوق لتلك البيانات أم سينصرفان عنه أكثر وأكثر؟!

لقد أصبحت الحياة ثقيلة الظل، تفاصيلها ومتطلباتها كالسياط تمزق عقولنا التي لا تهدأ من التفكير، وقلوبنا التي استحالت نبضاتها أجراس إنذار بعدم القدرة على الإحتمال، وأيدينا التي باتت قصيرة أكثر من اللازم رغم بصيرة العيون.

الجريدة الرسمية