ثلاثاء المجيء.. دعوة للسهر والاستعداد
في ثلاثاء البصخة المقدسة، تضع الكنيسة أمامنا موضوعًا جادًا ومصيريًا، لذلك يُسمّى هذا اليوم ثلاثاء المجيء.. ففيه يحدّثنا السيد المسيح عن مجيئه الثاني، وعن الدينونة، وعن ضرورة الاستعداد. وكأن الكنيسة تقول لنا: إن كنتم قد دخلتم أسبوع الآلام، فلا تنشغلوا بالأحداث فقط، بل انتبهوا لنهايتكم أيضًا، وللقاء الذي لا بد أن يتم مع الله.
فالرب لا يحدّثنا عن هذه الأمور لكي يخيفنا، بل لكي يوقظنا. لأن الإنسان كثيرًا ما يعيش منشغلًا بيومه، وينسى أن حياته لها نهاية، وأن هناك حسابًا. لذلك قال السيد المسيح: «اِسْهَرُوا إِذًا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ» (مت 24: 42). فالسهر هنا ليس قلقًا، بل يقظة روحية، تجعل القلب مستعدًا دائمًا للقاء الرب.
ويضرب لنا الرب مثل العذارى العشر، ليعلّمنا أن الاستعداد لا يُؤجَّل. فقد كانت العذارى الحكيمات مستعدات، أما الجاهلات فكان لديهن شكل الانتظار، ولكن بلا استعداد حقيقي. وحين جاء العريس، دخلت المستعدات، وأُغلق الباب. لذلك كانت النصيحة واضحة: «اِسْهَرُوا إِذًا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ» (مت 25: 13).
ثم يقدّم لنا مثل الوزنات، ليؤكد أن الحياة ليست فقط انتظارًا، بل مسئولية. فالعبد الذي دفن وزنته لم يكن شريرًا في الظاهر، لكنه كان غير أمين، لأنه لم يستخدم ما أُعطي له. وهكذا كل إنسان أُعطي وقتًا، ومواهب، وفرصًا، ليعيش بها حياة مثمرة. لذلك قيل له: «فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَضَعَ فِضَّتِي عِنْدَ الصَّيَارِفَةِ» (مت 25: 27)، أي أن الله ينتظر ثمرًا، لا مجرد وجود.
وهنا نفهم أن الاستعداد للمجيء الثاني ليس فكرة نظرية، بل حياة تُعاش. هو أن يكون القلب ساهرًا، والنفس يقِظة، والحياة أمينة في كل ما أُعطي لها. ليس المطلوب أن يعرف الإنسان متى يأتي الرب، بل أن يكون مستعدًا في كل وقت، لأن الوقت غير معروف، ولكن المجيء أكيد.
والكتاب يكرر هذا التحذير بمحبة: «لِذَلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لَا تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ» (إنجيل متى 24: 44). فالحكمة ليست في معرفة الساعة، بل في الاستعداد لها. لأن الذي يعيش مستعدًا، لا يخاف المفاجأة، بل يفرح باللقاء.
لذلك، ثلاثاء المجيء هو دعوة صريحة لكل نفس: اسهر، وانتبه، وراجع نفسك. لا تؤجل، ولا تتكاسل، ولا تعتمد على وقت لم يأتِ بعد. لأن الفرصة الآن، والحياة الآن، والقرار الآن. عش كإنسان ينتظر الرب، لا بخوف، بل بوعي واستعداد، حتى إذا جاء، يجدك ساهرًا، أمينًا، ومستعدًا للقاء الذي لا ينتهي.
