رئيس التحرير
عصام كامل

طرق الله أوسع من كل ضيق

18 حجم الخط

كثيرًا ما يظن الإنسان، حين تضيق به الأمور، أن الطريق قد انتهى، وأنه لم يعد هناك مخرج. لأن العين البشرية ترى الضيق في حجمه المباشر، وتنشغل بالأبواب المغلقة، وبالوسائل التي تعثرت، وبالحسابات التي لم تعد تنجح. 

ولكن الإيمان يعلّمنا أن ضيق الأرض لا يعني أبدًا ضيق تدبير الله، لأن الرب لا تُحاصر طرقه بما يحاصر الإنسان. وهو نفسه يقول: «لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هَكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ» (إش 55: 8-9).

 

فالإنسان يقيس الأمور غالبًا بما يراه أمامه، أما الله فيعمل من مدى أوسع بكثير.للحظة، وهو يرى الطريق كله. نحن ننشغل بالعائق، وهو يعرف كيف يحوّل العائق نفسه إلى بداية جديدة. ومن هنا، لا يكون الرجاء مجرد محاولة لتهدئة النفس، بل ثقة حقيقية في أن الله له دائمًا طريق لا يخطر على البال. 

لذلك حتى حين تضيق الدنيا، لا ينبغي أن يضيق القلب، لأن من يقود الحياة أوسع من الظروف، وأعمق من الأزمة، وأعلى من كل حساب بشري.

 

والكتاب لم يعد المؤمنين بحياة بلا ضيق، بل وعدهم بحضور الله داخل الضيق. لذلك يقول: «كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ، وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ الرَّبُّ» (مز 34: 19). فالمشكلة ليست في وجود الضيق، بل في أن يظن الإنسان أن الضيق هو الكلمة الأخيرة. 

أما مع الله، فليست الشدة هي النهاية، بل قد تكون المعبر إلى معونة أعمق، وخبرة أقوى، ونضج روحي لم يكن ممكنًا في أيام السعة الظاهرة.

 

ولهذا قال السيد المسيح لتلاميذه: «فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلَكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يو 16: 33). فهو لم يُنكر حقيقة الضيق، لكنه وضع بجوارها حقيقة أعظم، وهي الغلبة. وكأن الرب يريد أن يقول لأولاده: لا تبنوا مشاعركم على حجم المشكلة، بل على حضوري أنا، وعلى سلطاني، وعلى قدرتي أن أفتح طريقًا حتى حين لا ترون أمامكم طريقًا.

 

وكثيرًا ما تكون الضيقة سببًا في أن يرفع الإنسان عينيه إلى فوق، بعد أن كان منشغلًا بما حوله فقط. ففي وقت السعة قد يعتمد على ذاته أو على الناس، أما في وقت الانسداد فيبدأ يدرك أن معونته الحقيقية ليست أرضية. 

لذلك قال المرتل: «أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي. مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ» (مز 121: 1-2). وهنتساع قدرة الله ورحمته.

لذلك، كلما ضاقت الدنيا، تذكّر أن طرق الله أوسع من الضيق كله. تذكّر أن ما تراه مغلقًا، يراه الله بطريقة أخرى. وتذكّر أن اتساع طرق الله لا يظهر دائمًا في سرعة الحل، بل أحيانًا في قوة الاحتمال، أو في باب جديد، أو في تغيير داخلي يجعل النفس أهدأ وأثبت. 

المهم ألا يحكم الإنسان على المستقبل من ضيق اللحظة، بل يسلّم أمره للرب، واثقًا أن الذي تعلو طرقه عن طرقنا، يعرف كيف يقود من الضيق إلى السعة، ومن الحيرة إلى السلام، ومن العجز إلى رجاء جديد.

الجريدة الرسمية