الهدوء وسط العواصف
كثيرًا ما يطلب الإنسان من الله تفسيرًا قبل أن يطلب منه سلامًا. يريد أن يفهم السبب، ويعرف لماذا حدثت الضيقة، ولماذا تأخر الحل، ولماذا سارت الأمور على غير ما كان يتمنى. ولكن الله لا يشرح كل شيء دائمًا، لأن الإنسان ليس قادرًا في كل وقت أن يحتمل كل التفسير.
غير أن الرب، في محبته، لا يترك القلب بلا معونة، بل يمنحه أولًا ما هو أعمق من الشرح، وهو الطمأنينة الداخلية. لذلك يقول الكتاب: «لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ... وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (في 4: 6-7).
فالسلام الذي يعطيه الله ليس نتيجة أن كل الأسئلة قد أُجيبت، بل كثيرًا ما يأتي بينما الأسئلة لا تزال قائمة. وهنا تظهر عظمة النعمة، لأن الله لا ينتظر حتى تتضح الطريق كلها لكي تهدئ النفس، بل يقترب منها وسط ارتباكها، ويقول لها بطريقة أو بأخرى: أنا معك.
وهذا ما نقرأه في سفر إشعياء: «لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي. إِذَا اجْتَزْتَ فِي الْمِيَاهِ فَأَنَا مَعَكَ» (إش 43: 1-2). فالله هنا لم يَعِد بإلغاء المياه أو النار، بل وعد بالحضور وسطهما.
وهذا ما اختبره شعب الله قديمًا عند البحر الأحمر. كانوا أمام بحر، وخلفهم عدو، ولم يكن هناك وقت لشرح طويل أو تحليل مفصل. لكن أول ما قيل لهم لم يكن تفسيرًا، بل طمأنة: «لاَ تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ... الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ» (خر 14: 13-14).
كأن الله يريد أن يقول للإنسان: قبل أن أفتح الطريق أمامك، أريد أن أهدئ قلبك. لأن القلب المضطرب لا يرى الخلاص حتى لو كان قريبًا.
وفي العهد الجديد نرى الصورة نفسها في السفينة وقت العاصفة. فقد كانت الريح شديدة، والأمواج تضرب، والخوف يملأ التلاميذ. وحين تدخّل السيد المسيح، لم يبدأ أولًا بشرح سبب العاصفة، ولا لماذا سمح بها، بل انتهر الريح وقال للبحر: «اسْكُتْ! اِبْكَمْ!»، «فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ» (مر 4: 39). لقد سبق حضوره الشرح، وسبقت قوته التفسير، لأن وجوده نفسه كان هو الجواب الأعمق.
والإنسان أحيانًا يتعب لأنه يظن أن راحته لن تأتي إلا إذا فهم كل شيء. بينما الخبرة الروحية تعلّمه أن القلب قد يستريح حتى قبل أن يفهم، إذا امتلأ بحضور الله. فليس كل ما يحيّر العقل يقدر أن يهزم النفس، ما دامت النفس متكئة على الرب. ومن هنا يكون السلام عطية سابقة على تغيّر الظروف.
وقد تبقى العاصفة قليلًا، لكن القلب لا يبقى كما كان، لأن الله يكون قد لمسه من الداخل، ووهبه ثباتًا لم يكن عنده من قبل. وهذا هو السلام الذي يفوق العقل، لأنه لا يعتمد على وضوح الصورة، بل على أمانة الله الحاضر.
لذلك، لا تظن أن صمت الله معناه غيابه، ولا أن عدم الشرح معناه عدم الاهتمام. فقد لا يشرح الله كل شيء، لكنه دائمًا يعرف كيف يطمئن القلب قبل أن يهدئ العاصفة. وقد لا يكشف لك كل الأسباب، لكنه يكشف لك نفسه، وهذا أعظم من كل تفسير.
وحين يقترب الرب من النفس، تشعر أن ما كانت تفتقده لم يكن مجرد إجابة، بل حضوره هو. وعندئذ يستطيع الإنسان أن يعبر أيامه الصعبة، لا لأنه فهم كل شيء، بل لأنه اطمأن إلى من بيده كل شيء.
