رئيس التحرير
عصام كامل

تعلمت ما هو أغلى

18 حجم الخط

في كل مرة نظن أننا نتقدم خطوة في طريق التعلم، نكتشف أن هناك درسًا أبسط وأعمق لم نتقنه بعد؛ درسًا لا يُدرَّس في القاعات، ولا يُمنح في الشهادات، بل يظهر في التفاصيل الصغيرة التي تكشف حقيقة ما بداخلنا. فالتطوير الحقيقي لا يُقاس بعدد الدورات التي نحضرها، بل بمدى إنسانيتنا ونحن نُقدّم ما تعلمناه للآخرين.

 

من هذا المنطلق، كنت حريصًا على أن أستمر في تطوير ذاتي، لا سيما في مجال الإرشاد النفسي والأسري، الذي أتعامل معه ليس كمهنة فقط، بل كرسالة ومسؤولية. وبين الحين والآخر، أبحث عن مساحات جديدة للتعلم، أضيف من خلالها أدوات ومهارات تُعينني في المحاضرات والجلسات التي أقدمها للناس. 

 

لم يكن هذا دافعي يوم قررت الالتحاق بدبلومة جديدة في العلاج المعرفي السلوكي، خاصة أن المركز الذي قدمها لم يكن غريبًا عني؛ بل كانت بيني وبينه تجارب سابقة أو ربما نستطيع أن نطلق على العلاقة بيني وبينه إنها كـ"العهد"، حصلت من خلالها على أكثر من دبلومة في مجالات التربية والإرشاد والتطوير وتدريب المدربين. كان هناك رصيد من الثقة، وتاريخ من التعامل الجيد.

 

سارت الأمور في البداية بشكل طبيعي، وحضرت المحاضرة الأولى، وكنت كعادتي متفاعلًا ومهتمًا، أبحث عن كل ما يمكن أن يضيف لي جديدًا. لكن بعد انتهاء المحاضرة، فوجئت بصورة منشورة تضم آراء المشاركين، وقد أُرفقت معها لقطة شاشة لاسمي ضمن الحضور. لم تكن المشكلة في نشر الصورة، بل في الطريقة التي كُتب بها اسمي؛ كتابة تفتقر إلى أبسط درجات الاحترام والتقدير، وكأن الأمر لا يستحق الانتباه.

 

قد يبدو الأمر للبعض تفصيلًا بسيطًا لا يستحق الوقوف عنده، لكنه في الحقيقة ليس كذلك. لأن الاسم ليس مجرد حروف، بل هو هوية، وانعكاس لمدى احترامك للشخص الذي تتعامل معه. حين يُكتب الاسم بلا تدقيق، أو يُذكر بلا اهتمام أو تذكر بعده لقب يسيء لصاحبه، فإن الرسالة التي تصل للآخرين ليست مجرد خطأ عابر، بل شعور ضمني بعدم التقدير.

 

وهنا توقفت طويلًا أمام فكرة أعمق من مجرد موقف عابر: كيف نتحدث كثيرًا عن مهارات التواصل، وعن بناء العلاقات، وعن الإرشاد والدعم النفسي، بينما نقع في أبسط قواعد التعامل الإنساني؟ كيف نُعلّم الآخرين فن التأثير، ونحن لم نتقن بعدُ فن الاحترام في تفاصيله الدقيقة؟

 

الحقيقة أن كثيرًا من المؤسسات تُجيد تقديم المحتوى، لكنها لا تُجيد تقديم الإنسان. تُتقن الشرح، لكنها تُهمل الشعور. تقدم الخدمة، لكنها تنسى أن الخدمة في جوهرها علاقة إنسانية قبل أن تكون معاملة مادية. فالعميل لا يأتي فقط ليحصل على معلومة، بل يأتي وهو يحمل توقعًا أن يُقابل باحترام، وأن يُعامل بما يليق به.

 

إن من يدفع مقابل خدمة، لا يشتري وقتك فقط، بل يمنحك ثقته. وهذه الثقة لا تُحفظ بالكلام الكبير، ولا بالشهادات المعلقة على الجدران، بل تُحفظ في التفاصيل الصغيرة: في اسم يُكتب بعناية، في رد يُقال باحترام، في تعامل يُشعر الإنسان بقيمته.

 

ليست المشكلة أن نخطئ، فكلنا نخطئ، لكن المشكلة أن نمر على الخطأ مرورًا عابرًا دون أن نُدرك معناه. لأن كل تفصيلة، مهما بدت بسيطة، تترك أثرًا. وقد يكون هذا الأثر هو ما يحدد إن كان الإنسان سيكمل الطريق معك، أم يكتفي بتجربة واحدة لا تُكرر.

ربما نحتاج أن نعيد ترتيب أولوياتنا قليلًا.. أن نتذكر أن قبل كل مهارة، هناك قيمة. وقبل كل محتوى، هناك إنسان. وأن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في أن نقدم خدمة جيدة، بل في أن نُقدّمها بروح تُشعر الآخر أنه مُقدَّر، مُهم، ومُرحَّب به.

الجريدة الرسمية