"ادخل يا رب.. فليس عندي إلا قلبي"
حين دخل السيد المسيح إلى أورشليم، خرجت الجموع تستقبله بسعف النخيل، وفرشت ثيابها في الطريق، وصرخت قائلة: «أوصنا لابن داود»، كان مشهدًا مملوء فرحًا وحماسًا، تعبيرًا عن استقبال الملك، ولكن السؤال الذي يواجه كل نفس: ماذا أقدّم أنا للرب اليوم، وهو يدخل إلى حياتي؟ هل أملك ما قدّمه الآخرون، أم أن لي ما هو أعمق من المظاهر؟
قد لا يكون عندي سعف أرفعه، ولا ثوب جديد أفرشه في الطريق. قد لا أملك كلمات مرتبة أعبّر بها، ولا مشاعر مستقرة أقدّمها. ولكن عندي قلب.. ربما متعب، وربما مكسور، وربما مثقل بأمور كثيرة لا أستطيع أن أشرحها. وهذا القلب، بكل ما فيه، هو ما أضعه أمام الرب، طالبًا أن يقبله كما هو.
والعجيب أن الله لا يرفض القلب المنكسر، بل يطلبه. لذلك يقول الكتاب: «اَلذَّبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْسَحِقَةٌ. اَلْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ» (مز 51: 17). فليس المهم أن يكون ما أقدّمه كاملًا، بل أن يكون صادقًا. وليس المهم أن يكون جميلًا في نظر الناس، بل مقبولًا في عين الله.
وقد لا تكون الدموع دائمًا ضعفًا، بل قد تكون لغة صلاة. وقد لا يكون الكلام مرتبًا، بل يخرج متلخبطًا من الوجع، ولكنه يصل إلى قلب الله لأنه صادق. فالرب لا ينتظر من الإنسان تعبيرًا مثاليًا، بل قلبًا مفتوحًا. لذلك يقول: «قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ» (مز 34: 18).
وفي أحد الشعانين، لم يكن المهم فقط السعف أو الثياب، بل القلوب التي خرجت تستقبله. ونحن اليوم، إن لم يكن عندنا ما في أيدي الآخرين، فعندنا ما هو في داخلنا. نضع أمامه تعبنا، وخوفنا، وحيرتنا، وكل ما فينا من ضعف، ونقول له: ادخل يا رب.. حتى لو كان الطريق إليك مفروشًا بالدموع.
فالرب لا يدخل فقط إلى أورشليم، بل يريد أن يدخل إلى القلب. لا يطلب مظاهر خارجية، بل موضعًا يسكن فيه. وكما قيل في سفر الرؤيا: «هأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ» (رؤ 3: 20). فالمطلوب ليس الكمال، بل الفتح.. أن يفتح الإنسان قلبه للرب مهما كان حاله.
لذلك أقول له اليوم: ليس عندي سعف، ولا ثوب جديد أفرشه تحت قدميك. لكن عندي قلب مكسور، ودموع مكتومة، وكلام مبعثر من الوجع. هذا كله أضعه تحت قدميك، وأنتظرك أز تدخل قلبي، وتحوّل الحزن إلى فرح، والتعب إلى سلام. لأنك إن دخلت، يتغيّر كل شيء.. حتى لو لم يتغيّر شيء في الخارج.
