إله المستحيلات
ليس الاطمئنان الحقيقي أن تكون الطريق ممهدة، أو أن تكون الظروف سهلة، أو أن تسير الأمور كلها كما يشتهي الإنسان. فالراحة التي تقوم على هدوء العالم راحة مؤقتة، لأن العالم متقلب. أما الطمأنينة التي تقوم على الله فهي أعمق وأثبت، لأنها لا تعتمد على ما يتغير، بل على من لا يتغير. لذلك يقول الكتاب: «تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ» (أم 3: 5).
والإنسان كثيرًا ما يضطرب لأنه يريد أن يفهم كل شيء، ويضمن كل شيء، ويرى نهاية الطريق قبل أن يبدأ السير فيه. ولكن الله لا يطلب من الإنسان أن يعرف كل التفاصيل، بل أن يسير معه في ثقة. ومن هنا يبدأ السلام. فالاطمئنان ليس معناه أن الأمور واضحة كلها، بل أن القلب واثق في يد الله. لذلك يقول الرب: «لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ... قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي» (إش 41: 10).
والأجمل من هذا أن الله ليس فقط إله المعونة، بل أيضًا إله المستحيل. فهو لا يعمل في حدود المنطق البشري وحده، ولا يقف عند آخر ما تستطيعه الوسائل الأرضية. لذلك حين تنغلق الأبواب، لا ينتهي رجاء المؤمن، لأنه يعرف أن ما يُغلق عند الناس لا يُغلق عند الله. وقد قال السيد المسيح بوضوح: «غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ» (لو 18: 27).
ولهذا فإن المؤمن قد يكون متعبًا، ومع ذلك مطمئن. وقد يكون محاصرًا بصعوبات كثيرة، ومع ذلك ثابت. ليس لأنه قوي في ذاته، بل لأن نعمة الله تسنده. فالطمأنينة الحقيقية لا تأتي دائمًا من تغيّر الواقع، بل من حضور الله في وسطه. ولهذا قال الرب لبولس الرسول: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ» (2 كو 12: 9). فحتى الضعف نفسه، حين يدخل إليه الله، لا يعود سببًا للهزيمة، بل مجالًا لظهور نعمته.
وقد عرف القديسون هذا الطريق جيدًا. إذ لم تكن حياتهم خالية من الضيقات، ولكنهم عاشوا مطمئنين لأن قلوبهم تعلقت بالله لا بالظروف. ولهذا يقول المرتل: «اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْنًا فِي الضِّيْقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا» (مز 46: 1). فالملجأ هنا ليس مكانًا تهرب إليه النفس من الواقع، بل هو حضرة الله التي تحفظ القلب وسط الواقع نفسه.
لذلك أقول: أنا مطمئن، ليس لأن الدنيا سهلة، ولا لأن الطريق بلا تعب، بل لأنك أنت إله المستحيل، وإله المعونة، وإله النعمة الكافية. ومعك لا يكون الاطمئنان إنكارًا للصعوبة، بل غلبة عليها. ومعك لا يكون السلام هروبًا من الوجع، بل ثباتًا داخله. وما دام القلب ممسوكًا بك، فلا يهم إن كانت الأرض مضطربة، لأن السماء ما زالت فوقها، والله ما زال حاضرًا فيها.
