الولايات المتحدة تواصل الضغط على حلفاء الناتو الأوروبيين.. طالبتهم بزيادة الإنفاق العسكري والتخلي عن فكرة أن واشنطن هي الحامي الأعلى لأمن أوروبا.. والخضوع للإملاءات الأمريكية في الشرق الأوسط
استبعدت مجلة "ذا ناشيونال إنترست" الأمرييكية انهيار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤكدة -في الوقت ذاته- أن الولايات المتحدة ستواصل دعمها للحلف بشرط أن يتحمل الشركاء الأوربيون مسؤوليتهم والإيمان بفكرة أنه "لم يعد بإمكانهم الاعتماد على الولايات المتحدة لتظل الحامي الأعلى لهم".
وبحسب مقال كتبه المتخصص في قضايا الأمن القومي رامون ماركس، فإن "القادة الأوروبيين عليهم أن يواجهوا حقيقة أنهم، بعد أكثر من 75 عاما، يجب أن يتحملوا المسؤولية الأساسية عن دفاعهم الخاص ضمن إطار الناتو".
80 ألف جندي أمريكي في أوروبا
يقول ماركس: بحسب "استراتيجية الدفاع الوطني" الأمريكي للعام 2026، يوجد حوالي 80 ألف جندي أمريكي في أوروبا، ولا توجد أي مؤشرات على إغلاق القواعد الأمريكية في أوروبا، أو إعادة الأفراد والإمدادات إلى الولايات المتحدة؛ ومن المفارقات أن أكبر قاعدة عسكرية في ألمانيا لا تزال أمريكية، وليست ألمانية. والقوات الأمريكية ما زالت متفاعلة بالكامل مع الحلفاء الأوروبيين، سواء من خلال مناورات مشاة مشتركة وعمليات في بولندا ولاتفيا، أو من خلال طلعات جوية وبحرية مع أساطيل حلفاء الناتو في بحر البلطيق أو البحر المتوسط.
ويضيف: توضح استراتيجية الدفاع الوطني 2026 أن الولايات المتحدة ستواصل "القيام بدور حيوي في الناتو نفسه"، وما تغير هو أن الولايات المتحدة تضغط الآن بشكل مستمر على حلفائها لتحمل أعباء دفاعية أكبر.
ضغوط أمريكية لزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي
ويشير الكاتب إلى أن الضغوط الأمريكية –والحرب الروسية الأوكرانية- دفعت الحلفاء الأوروبيون في قمة الناتو في لاهاي 2025 إلى زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي الوطني، مؤكدا أن "البنتاجون سيواصل تقديم دعم أمريكي حاسم للناتو؛ لكنه سيبقى دعما محدودا".
ويتابع: الدعوة إلى زيادة تحمل الحلفاء الأوروبيين في حلف الناتو للأعباء ليست نتيجة لعزلة أمريكية أو غضب أمريكي من الموقف الأوروبي تجاه جرينلاند، بل هي واقع صعب؛ إذ إن روسيا ليست التحدي العالمي الوحيد الذي تواجهه الولايات المتحدة؛ حيث تشير "استراتيجية الدفاع الوطني" الأمريكي إلى أن الجيش الأمريكي يجب أن يكون مستعدا للتعامل ليس فقط مع أوروبا، بل أيضا مع الشرق الأوسط، والصين، وشبه الجزيرة الكورية، وغرب الكرة الأرضية، وحتى أفريقيا، حيث نفذت الولايات المتحدة مؤخرا عملية عسكرية في نيجيريا ضد متطرفين إسلاميين.
واشنطن تطالب حلفاءها الأوروبيين بزيادة قدراتهم العسكرية الردعية
"باستثناء غزو روسي صريح لحليف في الناتو بموجب المادة 5، لا يمكن توقع أن تكون الولايات المتحدة داعما عسكريا دائما لحلفائها الأوروبيين في كل موقف يتجاوزون فيه حدود قوتهم الناعمة. وعلى الحلفاء الأوروبيين زيادة قدراتهم العسكرية الردعية إذا أرادوا حقا أن يكونوا قوة جديرة بالثقة لاستقرار وتقدم أوروبا"، يقول ماركس.
ويضيف: بعض العلامات الواعدة على النهضة العسكرية الأوروبية بدأت تظهر. بالإضافة إلى التعهدات بزيادة الميزانيات الدفاعية، شهدت الفترة الأخيرة تعاونا بريطانيا فرنسيا انتهى باستيلاء مشاة البحرية الفرنسية على ناقلة نفط روسية "شبحية" تخضع لعقوبات؛ واستمرار الحلفاء الأوروبيين في تطبيق العقوبات المفروضة على النفط الروسي –من خلال قوتهم البحرية- سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح.
أوروبا مطالبة بالحفاظ على نظام عالمي مستقر من خلال القوة العسكرية
ويرى الكاتب أن "مثل هذه العمليات يمكن أن تمنح الحلفاء الأوروبيين نفوذا أكبر للتأثير في شؤون منطقتهم، بما في ذلك مفاوضات السلام الأوكرانية، بدلا من الاكتفاء بدور المتفرجين بينما تتحكم واشنطن في هذه المناقشات".
ويختتم ماركس مقاله قائلا: الناتو سيصمد؛ والولايات المتحدة لن تتخلى عن الناتو، حتى لو تعلق الأمر بسياسات أوروبا تجاه جرينلاند. ولكن في النهاية، سيكون على أوروبا تحمل المسؤولية الأساسية لحماية أمنها الإقليمي، وسيكون على الناتو الأوروبي توجيه رسالة قوية للعالم بالمساعدة في الحفاظ على نظام عالمي مستقر من خلال القوة العسكرية.
الجيش الأوروبي قوة هائلة
وبعيدا عن المقال الذي نشرته "ذا ناشيونال إنترست"، فإن لدى أوروبا قوة عسكرية هائلة، بحسب تقرير التوازن العسكري لعام 2025 الذي أعده المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية؛ حيث تمتلك فرنسا وإيطاليا وإسبانيا حاملات طائرات أو سفن برمائية قادرة على إطلاق طائرات مقاتلة.
وتحتفظ فرنسا والمملكة المتحدة بقوات نووية؛ إذ ينشران غواصات مزودة بالصواريخ الباليستية؛ ويملك حلفاء الناتو، إلى جانب الولايات المتحدة، نحو 2000 طائرة مقاتلة وطائرة هجومية برية، بما في ذلك العشرات من طائرات الشبح الجديدة من طراز "إف-35".
وتشمل القوات البرية دبابات حديثة، بما في ذلك دبابات ليوبارد الألمانية ودبابات تشالنجر البريطانية، والتي تخدم وحدات منها الآن في الجيش الأوكراني. ويمكن لدول حلف شمال الأطلسي الأوروبية نشر صواريخ كروز قوية، مثل صاروخ سكالب/ستورم شادو الفرنسي-البريطاني المشترك.
خطوات أوروبية متسارعة لزيادة قدراتها العسكرية
ويشير تقرير التوازن العسكري 2025 إلى أن أوروبا تتخذ خطوات لتحسين قواتها العسكرية دون مساعدة الولايات المتحدة. ففي عام 2024، اتحدت ست دول أوروبية في مشروع لتطوير صواريخ كروز تطلق من الأرض، واتخذت خطوات لزيادة القدرة على إنتاج الذخائر وتنويع قاعدة مورديها.
وحتى لو انسحبت الولايات المتحدة بشكل كامل من أوروبا، فإنها ستترك وراءها بنية تحتية مهمة؛ حيث تملك الولايات المتحدة 31 قاعدة دائمة في أوروبا، وفقا لدائرة أبحاث الكونجرس، بينها مرافق بحرية وجوية وبرية وقيادة وسيطرة ستكون متاحة للدول التي تقع فيها إذا انسحبت الولايات المتحدة.




