رئيس التحرير
عصام كامل

داء مصرى قديم!

حسنا فعل مجلس النواب حينما رفض طلبا تقدمت به الحكومة لإجراء تعديل في قانون التعليم يسمح بفرض عقوبات مالية على التلاميذ الذين يغيبون عن المدرسة أكثر من عشرة أيام، وأيضًا فرض عقوبات على أولياء أمورهم بحرمانهم من الخدمات الحكومية.. وقال كل النواب تقريبا لوزير التعليم الدكتور طارق شوقي أصلح أحوال المدارس أولا لتكون جاذبة للتلاميذ قبل أن تفرض عقوبات على التلاميذ الذين يتغيبون عنها هم وأولياء أمورهم. 

 

غير أن ما حدث يكشف عن داء حكومى قديم تعانى منه بلادنا، وهو تجاهل وتجاوز الواقع أو إنكاره أحيانا.. فإن مدارسنا صارت طاردة للتلاميذ لأسباب عديدة منها ما يتعلق بتفشى ظاهرة الدروس الخصوصية، ومنها ما يتعلق بسوء أحوال المدارس، ومنها أيضا ما يتعلق بأحوال المدرسين ذاتهم.. ومع ذلك فإن وزير التعليم تبنى مشروعا لتطوير التعليم قبل أن يعالج كل ذلك، بل حاول أن ينفذه في واقع صعب جدا.. حيث أفتقدنا أساسا المبانى المدرسية وافتقدنا أيضا المدرسين المدربين وبعدد كاف، وإفتقدنا كذلك عدم إقتناع الرأى العام بمشروع التعليم فلم يتجاوب أولياء الأمور معه بل أنهم قاموه لتزيد متاعبه أكثر! 

نصائح الخبراء

 

وهذا الداء عانينا منه أيضا في مجال الاقتصاد، حيث لدينا مجموعة ممن يطلق عليهم خبراء الإقتصاد يتبنون دوما روشتة جاهزة لعلاج المشاكل الاقتصادية تم تطبيقها في دول أخرى يختلف واقعها عنا، غير مكترثين لآثارها الجانبية الضارة بقطاع واسع من أصحاب الدخول المحدودة، رغم أن المنظمات الاقتصادية الدولية (صندوق النقد الدولى والبنك الدولى) صارت أكثر مرونة في التعامل مع الواقع المختلف للدول التى تتعاون معها الآن. 

 

وذات الشىء يحدث ايضا فى مجال الفكر والثقافة حيث يوجد أيضا لدينا مجموعة تتجاهل الواقع وهى تسعى لتغيير الثقافة والقيم السائدة، ولذلك إنحصر تاثير جهودها في المجال النخبوي فقط ولم يمتد تأثيره إلى رحاب المجتمع الأوسع والذى تسيطر عليه ثقافةَ تتعارض مع قيم المواطنة والمساواة والعيش المشترك وإحترام الآخر، وتحض على التعصب وإشاعة الكراهية. 

 

 

وهكذا هو داء مصرى قديم لم يجد علاجا له حتى الأن.. وحتى ننجح في النهوض بوطننا وصنع جمهورية جديدة نحتاج لآن نبرأ منه على مستوى الدولة كلها، أى حكومة وشعبا. فمن يريد تغيير مجتمع ما لابد أن يلم بواقع هذا المجتمع أولا ويتفهم أوضاعه وظروفه وإشكالياته حتى ينجح في التعامل معها، أما إنكارها وتجاهلها فلن يحقق التغيير المنشود وإنما سوف يزيد من حدة المشاكل حتى ولو خفت لبعض الوقت أعراضها!     

الجريدة الرسمية