رئيس التحرير
عصام كامل

مأساة باريس تستحق التأمل

تعددت جرائم ومشكلات طلاب المدارس والجامعات والمراهقين ونزلاء دور الرعاية ومراكز التأهيل، لكن لم يهتم أحد ببحث أسباب إهمال ذويهم لهم أو المبالغة في تدليلهم، التي قادتهم إلى الانحراف أو الجريمة، كما لم يتناول أحد سوء المعاملة التي يتعرضون لها في بعض دور الرعاية أو مراكز إعادة التأهيل وحتى المدارس الداخلية، التي نتج عنها نماذج غير سوية لشخصيات معروفة، لعل آخرها نجمة المجتمع وعارضة الأزياء الأميركية باريس هيلتون، التي عاشت واقعا مريرا رغم ثرائها الفاحش، فهي حفيدة ووريثة كونراد هيلتون، مؤسس سلسلة فنادق هيلتون العالمية.


باريس هيلتون أصدرت فيلم "This Is Paris"، عن معاناتها سنوات طويلة بدء من مرحلة المراهقة، وكانت الفكرة الأصلية للفيلم هي تسليط الضوء على باريس هيلتون كسيدة أعمال ونجمة مجتمع وتوضيح الصورة الخاطئة عن شخصيتها بسبب ثرائها الفاحش، لكن تغير الأمر للحديث عن مشاكل مراهقتها، ورغم أن باريس هيلتون لم ترغب في البداية أن يتعرض الفيلم إلى الإيذاء والمعاناة، إلا أن المخرجة وجدت أن هذه الفترة من حياتها أكثر عمقا وإنسانية وتأثيرا، وكما تقول باريس "ظلت المخرجة تشجعني للكشف عن تفاصيل تلك الفترة الحرجة، حتى أدركت أن هذا قد يساعد فعليا كثيرا من الناس".

نضال "الموصل" هوليوودي بالعربية

احتفلت باريس هيلتون بصدور الفيلم الوثائقي، ورغم قتامة موضوعه وتضمنه كم كبير من المعاناة، حضرت العرض الخاص بملابس زاهية، تؤكد تجاوزها المأساة التي طبعت سنوات حياتها.

تقول باريس هيلتون في وثائقي "هذه باريس" إنها تعرضت للإيذاء النفسي والجسدي ووضعت في الحبس الانفرادي وأجبرت على تناول أدوية غير معروفة، عندما كانت مراهقة أثناء وجودها في مدرسة Provo Canyon الداخلية في ولاية يوتاه الأميركية، وأنها أرسلت إلى تلك المدرسة ومدارس أخرى للمراهقين الذين يعانون من اضطرابات ناتجة عن التمرد. واعترفت باريس هيلتون بالتأثير السيئ لعلاقاتها المتعددة، وما سببه لها ذلك من آلام صعبة استغرقت سنوات طويلة للتخلص منها.

ذكرت باريس هيلتون، التي عملت منتجة وممثلة ومغنية وعارضة أزياء ولم تحقق نجاحا كبيرا في أي منها، أنها تسعى حاليا لإغلاق المدرسة الداخلية، التي تعرضت فيها للعنف والإيذاء النفسي والجسدي خلال سنوات مراهقتها، وزادت معها مأساتها بدلا من تقويم سلوكها ومعالجة الاضطرابات التي كانت تعاني منها.

وفي وقت لاحق أعلنت باريس هيلتون (39 عاما) أن "هناك الكثير من الناس أرسلوا خطابات شكر على ما جاء في الفيلم وما كشفته عن المدارس الداخلية التي يفترض أنها تعالج اضطرابات السلوك والشخصية". كما اعترفت أنها قاطعت أبويها لمدة 20 عاما، لأنهما أرسلاها إلى مدرسة بروفو كانيون تحديدا.

دفعت الضجة التي أثارها وثائقي باريس هيلتون، مدرسة "بروفو كانيون" للرد على الاتهامات في بيان "نحن على علم بإشارة وسائل الإعلام إلى مدرسة بروفو كانيون. نخبركم أن المالك السابق باع المدرسة في أغسطس 2000، ولا يمكننا التعليق على طريقة الإدارة أو تجربة مريض قبل ذلك الوقت. لكن خلال العقدين الأخيرين تطور علاج مشاكل الصحة النفسية، ويجب مراعاة أننا نعمل مع أفراد معقدين بشدة يشكلون غالبا خطرا على أنفسهم وعلى الآخرين. ومدرسة بروفو كانيون ملتزمة بسلامة الطلبة المرضى والموظفين".

"التاج" بين السخط والإعجاب

استفز بيان المدرسة الداخلية باريس هيلتون، فنشرت مقاطع فيديو تسرد فيها ما أخفته عن تعرضها لشتى أنواع العنف والإيذاء في المدرسة، ووضعت باريس هيلتون شريط لاصق أحمر على فمها في صورة كتبت عليها اسم المدرسة، وأرفقتها بالتعليق: "إليكم قصة نجاتي، أخيرا أصبحت أصواتنا مسموعة، اتخذوا معي موقفا ضد العنف المؤسسي لكسر حاجز الصمت، شارك مئات المراهقين المضطربين الناجين قصصهم معي ونشرناها وتُظهر قصصهم بوضوح الحاجة الماسّة إلى الإصلاح، وعلينا حماية الشباب الموجودين حاليا في هذه المؤسسات".

قالت باريس هيلتون عن قصّتها انه تم خطفها مكبّلة اليدين إلى منطقة نائية، حيث توجد المؤسسة الإصلاحيّة وأجبرت على خلع ملابسها أمام جميع زملائها ضمن إجراءات التفتيش المتبعة، وأعطوها ملابس بديلة عليها رقم "ومن تلك اللحظة بدأوا ينادونني بالرقم وليس باسمي".

وتابعت باريس هيلتون: "كان الموظفون يشاهدوننا أثناء الاستحمام أو استخدام المرحاض، ويسيئون إليّ لفظيا بكل كلمة مسيئة يمكن أن تتوقعوها، ولم يمرّ يوما دون عقاب. كنّا نعاقب على أي شيء رغم أننا لا نرد بكلمة واحدة خوفا منهم ومن الإيذاء، رأيت أطفالًا يقيّدون ويضربون ويخنقون يوميا، حتى أن بعض الموظفين قاموا بالاعتداء الجنسي عليهم".

وأشارت إلى جلسات العلاج: "كانوا يجبرون الجميع على الصراخ واصابة بعضهم بقطع الأثاث. كما حرّض الموظفون الطلاب على بعضهم البعض من خلال منح نقاط مكافأة لمن يشي بأقرانه، فقام الطلاب بتأليف قصص وأخبار كاذبة عن زملائهم وإبلاغ الإدارة بها، لكي يتمكنوا من جمع النقاط والتقدم في البرنامج التأهيلي المفترض ومغادرة المدرسة الإصلاحية. لكنني لم أبلغ عن زملاء آخرين ولهذا كنت أعاقب بشكل دائم، هي لم تكن هناك مدرسة ولم أتعلم فيها شيئا. كانوا معالجين غير مرخصين وغير مؤهلين، وطرقهم للعلاج تقتصر على الإيذاء وأساليب الخوف، أجبرونا على الاعتراف بأشياء لم نقم بها وكانوا يستغلون المعلومات التي يجمعونها للإيذاء والإهانة".

اعترفت باريس هيلتون أنّها حاولت الهرب مرارا، لكنّ الموظفين كانوا يمسكونها في كلّ مرّة، وتتعرّض للضرب والإذلال كي يتعظ غيرها، أو يعزلونها منفردة ويجوعوّنها حتى تفقد صوابها مع إجبارها على تعاطي أدوية مخدّرة يوميا، كما تعمدوا إرهاق الطلاب بإجبارهم على حمل جذوع شجر ضخمة وصخور ثقيلة، ومن لا يستطيع نتيجة الضعف وسوء التغذية يتعرض لضرب مبرح على مرأى من الآخرين.

سيطرة نسائية في "البندقية"

عدم وشاية باريس هيلتون بزملائها، حرمها من التواصل مع والديها لأنها "لا تستحق برأي الموظفين"، وفي المرات القليلة التي هاتفت فيها أبويها أثناء جلسات العلاج، كانوا يقطعون الاتصال لو تفوّهت بكلمة ضد المدرسة، ويقنعون أسرتها أنها كاذبة وتريد المغادرة، ولو كتبت رسالة وأتت فيها على ذكر الإيذاء، يتم تمزيقها وتعاقب فورا، وبالتالي لم تجد هيلتون وسيلة للتواصل مع والديها لإخبارهم بما تعانيه في المدرسة.

كان من نتيجة عرض فيلم "هذه باريس" أن إحدى الموظفات التي دأبت على إذلال باريس هيلتون، تم الاستغناء عنها وغادرت المدرسة، أي أنها بقيت 20 عاما بعد مغادرة باريس، وتقول هيلتون "أخبرني ناجون آخرون أنها كانت تتباهى لهم بأنها من حطمت باريس هيلتون".

تعهدت باريس هيلتون في ختام منشوراتها "بالمساعدة في مساءلة هذه المدارس وضمان أمان الأطفال والمراهقين وأن يعاملوا بالطريقة التي كنت أتمنّاها لنفسي، لأن إفادة هذه المؤسسات من إيذاء الأطفال مثير للاشمئزاز".
الجريدة الرسمية