رئيس التحرير
عصام كامل

عاشوا في مصر ( 12 )


مصر.. كنانة الله في أرضه.. منذ ما قبل التاريخ اتسع صدرها لمن ضاقت عنه كل دول العالم، واحتوت كل الطوائف، وشهدت أرضها نزول الديانات السماوية، وزارها غالب أنبياء الله.. تاريخها سبق تاريخ كل الأمم.. إنها "أم الدنيا"، و"المحروسة".. من بين من عاشوا بها، رموز غيرت وجه التاريخ، نروي هنا بعضًا من تفاصيل حياتهم، ونستعرض شيئًا من جوانب عظمتهم.


أم المماليك.. نفيسة البيضاء

من أكثر الشخصيات النسائية شهرة خلال فترة حكم المماليك والحملة الفرنسية على مصر. كانت جارية شركسية جُلِبَت إلى مصر، لا يعرف أحدٌ محل ميلادها، فمن قائل إنها من الأناضول، أو بلاد القرم أو حدود القوقاز، كانت على جانب كبير من الثقافة والثراء، والجمال، والحياء، واشتهرت باسم "نفيسة البيضاء"، وأطلق عليها آخرون "نفيسة المرادية"، نسبةً إلى زوجها الثاني "مراد بك".

بدأ ظهور أمر "نفيسة" عندما دخلت في حريم "علي بك الكبير"، الذي أعجب بجمالها، وهام بها حبًّا فتزوجها، وبنى لها دارًا تطل على الأزبكية. وعندما طلب "محمد بك أبو الذهب" من "مراد بك" مساعدته في خيانة "علي بك الكبير"، اشترط عليه أن يسمح له بالزواج من "نفيسة" التي هام بها حبًّا.. فلما قُتِلَ "علي بك الكبير" عام 1773، تزوج "مراد" بها.

دخلت "نفيسة" منزل "مراد بك" وقد ورثت عن "على بك الكبير" ثروة طائلة، وزادت ثراء بعد الزيجة الجديدة، وعاشت معه حياة الترف بما جلبته له من ميراثٍ، تضمن إلى جانب البيوت والقصور والتجارة، جيشًا خاصًّا يتألف من 400 مملوك وأسطولًا من السفن على النيل، وستًا وخمسين جارية واثنين من الخصيان في حاشيتها الخاصة.

عاشت "نفيسة" مع زوجها "مراد بك" الذي حكم مصر، مع "إبراهيم بك"، بعد موت "أبو الذهب"، لمدة تزيد على عشرين سنة، وبقدر ما كان "مراد بك" من كبار الخونة، كانت "نفيسة" امرأة رائعة وقوية في شخصيتها. فكانت السند والمستشار له في الشأن العام، وحاولت في أكثر من مناسبة الحد من آثار المظالم التي ارتكبها زوجها بحق المصريين، كما كانت تعارضه، وهو مطلق السلطان على مصر، في مصادرة أموال التجار الأوروبيين، وإرهاقهم بالضرائب والغرامات. وكانت هذه التصرفات من ذرائع الحملة الفرنسية على مصر.

التفت حولها قلوب المصريين بما اشتهرت به من البر والإحسان والتصدق على الفقراء والمساكين، وحماية الضعفاء ورفع المظالم عنهم. وحين هُزِمَ جيش "مراد بك" أمام القوات الفرنسية في موقعة "الأهرام" في 21 يوليو عام 1798، فر مع فلول قواته إلى الجيزة، ثم هرب إلى الصعيد ليبدأ في شن حرب عصابات ضد الجيش الفرنسي.

بقيت "نفيسة" في القاهرة، وعملت على حماية الأملاك الضخمة الخاصة بها وبزوجها، وبسطت حمايتها على نساء المماليك المنكوبين، وواست الفقراء الذين نُكِبوا في الحملة الفرنسية، ودفعت الغرامات التي فرضها الفرنسيون على المصريين، ونالت بذلك احترام المصريين والأجانب.

وفي الوقت نفسه، حافظت على علاقة طيبة مع إدارة الحملة، حتى إنها سمحت بتمريض جرحى الجنود الفرنسيين في قصرها. وقد استضافت "نابليون بونابرت" على العشاء في قصرها، وتلقت في تلك المناسبة هدية عبارة عن ساعة مرصعة بالألماس، كما كان قادة "نابليون" ورجاله كلهم يرعون جانبها، ويحملون لها تقديرًا كبيرًا، بل إن "ديجنت" كبير أطباء الحملة الفرنسية، عندما ألف كتابه باللغة العربية عن مرض الجدري في مصر، أهداها خمسين نسخة.

توترت العلاقات بينها وبين "نابليون"، فقد تَعيّنَ عليها أن تدفع فدية ضخمة تعادل نحو مليون فرنك مقابل الاحتفاظ بممتلكاتها. واضطرت إلى إدراج الساعة المرصعة بالألماس كجزء من هذه الغرامة.

بعد مغادرة "نابليون" لمصر أعلن أنه "سيظل صديقًا إلى الأبد" لهذه المرأة، حتى إنه بعث وهو في قمة مجده، أمرًا إلى قنصل فرنسا في مصر، بأن يبذل كل جهده لحمايتها ورعاية أمرها.

وعندما تولى "كليبر" قيادة الحملة تولى زوجها "مراد بك" حكم الصعيد، بناء على اتفاق مسبق بينهما، إلا أن هذا الاتفاق لم يدم طويلًا، إذ أصاب الطاعون "مراد بك"، ومات به في 22 أبريل عام 1801 ودُفِن في سوهاج.

وبعد خروج الحملة الفرنسية من مصر في وقت لاحق من ذلك العام، نجحت "نفيسة" في الحصول على حماية البريطانيين الذين بسطوا نفوذهم لفترة قصيرة. ومع تعزيز العثمانيين سيطرتهم على مصر، واصلت "نفيسة" سياسة حماية المماليك وأسرهم من النظام الجديد -الذي كان شديد العداء لهم- مثلما فعلت في ظل الاحتلال الفرنسي. وصارت تعرف في تلك الفترة باسم "أم المماليك".

تعرضت "نفيسة" لإساءة بالغة عندما تولى حكم مصر الوالي العثماني "أحمد خورشيد" باشا عام 1804، حيث طلبها يومًا إلى القلعة مقر حكمه، ووجّه إليها بعض التهم الباطلة، بينها اتهام بالتدبير للثورة، وأنها استعانت بكثير من الجواري يوزعن المنشورات ضده، وضد حكم المماليك والباشوات.

وردت "نفيسة" عليه: إن السلطان وعظماء الدولة، رجالًا ونساء، يعرفونني، ويعرفون قدري، حتى الفرنسيون، أعدائي وأعداؤك، لم أرَ منهم إلا التكريم والاحترام، أما أنتَ فلم يوافق فعلُك فعلَ أهل دولتك ولا غيرهم..

غضب "خورشيد" باشا منها، فاقتادها إلى السجن، الأمر الذي أثار غضب من يدينون لها بالفضل وبالمال، واستمرت، حتى في أيام محنتها، ترعى الفقراء والمحتاجين. وامتدحها "عبد الرحمن الجبرتي" خلقًا وسلوكًا وشجاعة. وعندما اعتُقِلَت في بيت السحيمي حاولت الهرب ليلًا، لكنها لم تفلح، وظلت تنتقل من عذابٍ إلى هوان إلى فقر.

وبعد أن تولى "محمد علي" باشا حكم مصر عام 1805، لقيت "نفيسة" على يديه أشد المحن والكوارث، حيث جعلها وضعها تحت التحفظ، في بيت أحد المشايخ، في حراسة العسكر، حتى تدخل العلماء، وتوسطوا لإطلاق سراحها، بعد أن صادر "محمد علي" ما بقي لها من مال وعقار، وعاشت بقية أيامها في فقر وكبد، لكنها واجهت ذلك كله بصبر وقوة عزيمة، ولم تفارقها مروءتها وعلو نفسها وإباؤها.

وماتت "نفيسة البيضاء" عجوزًا فقيرة، بعد أن كانت ملكة متوجة، في يوم الخميس 19 أبريل 1816، في بيتها الذي بناه لها زوجها الأول "علي بك الكبير". ووُريت الثرى إلى جواره في القرافة الصغرى بالإمام الشافعي. وبعد موتها استولى "محمد علي" باشا على هذا البيت، وأسكن فيه بعض أكابر دولته.

نعاها "الجبرتي" بقوله: إنها عمرت طويلًا مع العز والسيادة والكلمة النافذة، وإنها كانت من الخيِّرات، ولها على الفقراء برٌ وإحسانٌ، ولها من المآثر الكثير. ونسجت الكاتبة الفرنسية "فرنسواز برتوليه" تفاصيل حياة وموت "نفيسة البيضاء"، في إحدى قصصها.
الجريدة الرسمية