رئيس التحرير
عصام كامل

وداعا جميل راتب.. الأرستقراطي الاشتراكي!


حظه- وقد اعترف بذلك فيما بعد- أن ساقه غضب أسرته عليه ومنع الأموال عنه أن اعتمد على نفسه، وهناك في حواري باريس، عرف كيف يكون العمل وجديته، وبالتالي كيف يعيش الفقراء حياة قاسية، وهنا تتبدل أفكاره كلها ويختار نهجا جديدا منحازا هذه المرة للطبقات الدنيا مؤمنا بالاشتراكية، وفي بلد يشهد حركة حزبية نشطة وحركات اشتراكية أكثر نشاطا..


بعض المصادر تقول إنه مارس العمل الحزبي بفرنسا إلا أن المؤكد أنه حقق نجاحا ملموسا في الفن الذي عشقه، وترك الدنيا وفارق الأهل من أجله وهو التمثيل.. ستشاهدونه في أعمال فرنسية.. وأخرى عربية ناطقة من خليط من الفرنسية والعربية، وهي إنتاج دول عربية شقيقة مثل فرنسا أو المغرب، لكن يبقى المؤكد أيضا أن خيط الوطنية لم ينقطع ويَجرفه الحنين إلى الوطن ليقبل أول عمل سينمائي كبير يعرض عليه، وهو ما عرفه الناس من خلاله واشتهر به وكان "الصعود إلى الهاوية"..

الذي لاقي نجاحا أكبر من سابقيه اللذان اشترك بهما وهما فيلمي "الكداب" و"على من نطلق الرصاص"، في بدايات انطلاق أفلام مواجهة وفضح الانفتاح الاقتصادي وما تسبب به من فساد.. لينطلق بعده سينمائيا وتلفزيونيا فكانت "أحلام الفتى الطائر" و"حب في الزنزانة"، وبعدهما كان تميمة الحظ ونجم الشباك المشارك وفاكهة كل عمل من سنبل إلى ونيس ومن "خائفة من شيء ما" إلى "طيور الظلام"!

يندر أن نجد أصحاب التنويعات يحققون نجاحات كبيرة، لكننا معه صدقناه في رجل الأعمال الفاسد إلى الثري الشرير إلى النصاب المستغل كما كان في فيلمه الشهير مع صلاح أبو سيف "البداية"، (لفت نظرنا في هذا الفيلم كون الطائرة المنقذة لأبطال الفيلم في نهايته هي طائرة عسكرية وثار الجدل وقتها لكن يبدو أن قدر القوات المسلحة هو حماية الشعب وإنقاذ الوطن من الانهيار عند الضرورة) إلى الكوميديا كما في حالات عديدة..

ورغم نمطيته التي صاغها خليط حياته بين مصريته وفرنسيته فإن روحه مصرية بالكامل فيتفاخر بقرابته بهدي شعراوي، ويصفها بالتي "قاومت الإنجليز" وليس "بالرائدة النسائية"..

مقدمًا أولوياته وعند مفترق طرق أي حوار في الوصول إلى السياسة بشكل مباشر والتحولات الاجتماعية في مصر ينحاز بلا تردد وهو ابن العائلة الأرستقراطية إلى الشعب وإلى بسطائه وفقرائه، فيقرر أن كثيرين في عائلته يختلفون مع إجراءات ثورة يوليو وجمال عبد الناصر الاجتماعية لأنهم أضيروا منها لكنه يختلف معهم، ويرى أن قانونا مثل الإصلاح الزراعي من أفضل ما صدر في هذا الاتجاه على الإطلاق..

وإن هذه حقوق الفلاحين ردت إليهم وأنه لا يصح أن تستأثر فئة بخير البلاد وأغلبية الشعب لا تجد شيئا وهنا يرتقي بموضوعية لا يتداخل فيها الخاص مع العام كما يفعل البعض منهم، حيث لا يفوتون أي فرصة إلا للانتقام العائلي!

 وقد انتمى -وهذا منطقيا-إلى حزب التجمع التقدمي الوحدوي وأعطاه بعضا من وقته في كثير من فعالياته!

أمس لم نخسر فنانا عظيما فحسب، إنما خسرنا إنسانا حقيقيا، يشهد له الجميع بحسن الخلق وطيب السلوك وحنوه على الجميع، ولم يكن غريبا حزن الناس عليه، وكيف لا وقد أمتعهم كثيرا كثيرا، وربما لم يتسبب في إزعاجهم مرة واحدة.. اللهم إلا بآخر أخباره.. خبر رحيله!
الجريدة الرسمية