أيمن عبد التواب يكتب: ملاحظات على «25 أبريل».. عيد تحرير سيناء تحول إلى حلقة من مسلسل «كيد العوالم».. هتافات «شاذة» وتأييد «أعمى» ومعارضة «خرقاء» وأجه
إن التاريخ العسكري والمدني سوف يتوقف طويلا بالفحص والدرس أمام احتفالات يوم الخامس والعشرين من أبريل ٢٠١٦، حين رفع بعض «المصريين» العلم «السعودي» في قلب القاهرة، احتفالا بـ«عيد تحرير سيناء»، تزامنًا مع اعتراض آخرين على اتفاقية «تعيين الحدود البحرية» بين مصر والسعودية!
فبينما كانت الشرطة تمنع المتظاهرين من الوصول إلى نقابة الصحفيين، حيث مقر التظاهر.. أفسحت الطريق للمؤيدين وهم يحملون علم السعودية، وكأن لسان حالها يقول: «مَنْ هتف للملك سلمان فهو آمن.. مَنْ رفع العلم السعودي فهو آمن..»!
ثم كانت الطامة عندما هتف متظاهرون «مصريون»، وليسوا «سعوديين»، في ميدان طلعت: «تيران سعودية رغم أنف المصراوية»، نكاية في المعترضين على ضم «تيران وصنافير» للسعودية.. وعلى طريقة: «كايدة العُزال أنا من يومي»!
«تيران سعودية رغم أنف المصراوية».. هل آلمك هذا الهتاف وأنت ترى وتسمع بعض أبناء وطنك وهم يهتفون لدولة أجنبية، حتى ولو كانت عربية شقيقة؟ هل شَعُرتَ بالمهانة وأنت ترى هؤلاء يتراقصون، ويرفعون «علم المملكة» بدلًا من العلم المصري، في مناسبة وطنية بامتياز؟!
ما الذي حدث؟ ما عهدنا من المصريين هذا المشهد المستقبح، المستقذر، المخزي، والمستفز لبني جلدتهم.. ما عهدناهم يفرطون في أرضٍ كنا «نؤمن»، ولا يزال بعضنا يؤمن أنها أرضنا، وأرض آبائنا وأجدادنا، حتى بعد الإقرار «المفاجئ» بأحقية السعودية بها.. ما عهدناهم يتبارون بالرقص، والغمز، واللمز، و«التلسين»، و«التلقيح بالكلام» على «المعترضين»، في وصلة أشبه بحلقات «كيد العوالم»!
لماذا ينكر المسئولون والمؤيدون على المعترضين اعتراضهم؟ ألم يعرب «السيسي» عن سعادته بـ«غيرتهم» على أرضهم؟ هل تزايدون على الرئيس؟!
ثم هل رأيتم مواطنًا إيرانيًا يطالب بأحقية الإمارات في «الجزر الثلاثة» التي احتلتها طهران؟ هل رأيتم إنجليزيًا واحدًا يعترف بأحقية الأرجنتين بـ«جزر الفوكلاند»؟ بل هل رأيتم محتلًا من الكيان الصهيوني يشير -مجرد إشارة- إلى أحقية مصر بـ«أم الرشراش»؟
مازلتُ أتذكر تلك المشاهد والصور التي تُظهر حالات البكاء، والهستيريا، والانهيار التي انتابت «الإسرائيليين»، وهم «يتشبثون» بأرضنا في «طابا»، فيما تحاول شرطة «الاحتلال» إجبارهم على ترك الأرض، بعد أن استردت مصر ترابها الوطني، ورُفع العلم المصري على تلك البقعة الغالية في العام 1989، وتم إنزال علم الكيان الصهيوني.. هل ثمة مقارنة بين هذا الموقف وبين إنكار بعض المسئولين على المتظاهرين الإعلان عن غضبهم وإظهار انفعالاتهم؛ اعتراضًا على «ترسيم الحدود البحرية» بين مصر والسعودية؟
«التأييد الأعمى» يؤدي إلى «التطرف»، ولو بهتافٍ «كريهٍ» مثل: «تيران سعودية رغم أنف المصراوية».. كما أن «المعارضة العمياء» تقود إلى نفس «التطرف»، ولو بهتافٍ «بغيض» لبعض الغاضبين: «يسقط يسقط حكم العسكر»؟!
هل يمكن اعتبار هاتين الهتافين «حالات فردية»؟ ممكن جدًا.. لكن في النهاية أن كلا الطرفين أساءا إلى المعسكر الذي ينتمون إليه.. فكانت النتيجة أن خرج الطرفان من هذه المناسبة «خاسرين» عن جدارة واستحقاق!
وبعيدًا عن أحقية مصر أو السعودية بتلك «الجزيرتين»، فإن الغموض الذي سبق توقيع الاتفاقية، إضافة إلى التوقيت «المفاجئ» بالإعلان عنها، تزامنًا مع زيارة العاهل السعودي للقاهرة، تسبب في هذه الحالة «الانقسامية» بين صفوف المصريين.. وما زاد هذا الانقسام اتساعًا، وتشابكًا، وتعقيدًا هو تأكيد بعض القامات العلمية، والعسكرية، والقانونية، والتاريخية، والجغرافية على «مصرية الجزيرتين»، قبل أن يتراجع بعضهم ويُقر بأحقية السعودية في «تيران وصنافير».
هنا.. وأمام هذا المشهد الملتبس، لا يمكن الانحياز للمؤيدين على حساب المعارضين، وليس مقبولًا أن يشكك طرفٌ في وطنية الطرف الآخر.. فالطرفان «ضحية».. ضحية بعض الأجهزة التي انحازت لمؤيديها فوفرتْ لهم الحماية؛ وأسقطتْ عليهم الهدايا؛ ونقلت احتفالاتهم على الهواء.. بينما انحازت ضد معارضيها؛ ففرقت تجمعاتهم في الميادين؛ وطاردتهم في الشوارع؛ وألقت القبض العشوائي على بعضهم؛ وسمحت لبعض الإعلاميين أن ينالوا منهم إهانة، وتجريحًا، وتجريسًا، وتخوينًا.
نعم.. الطرفان- المؤيد والمعارض- «ضحية» عدم الشفافية، وكأن الدولة- بعد ثورتين شعبيتين- مازالت تنظر إلينا بنفس منظور «دولة مبارك»، وترى أننا «شعب قاصر»، لم يبلغ بعد سن الرشد الذي يؤهله لمعرفة ما يجري، وما يتم ترتيبه في قضية خطيرة كتلك..
هناك أسئلة تركتها الدولة تتكاثر في عقول المؤيدين قبل المعارضين، دون أن تتدخل لإعطاء هذه الأسئلة وسيلة لـ«منع الفكـر»، وتقليل نسبة الغضب المطردة في الشارع: هل درست الدولة عواقب الإعلان عن هذه الاتفاقية؟ هل ترى أن «حجب» تفاصيلها «ضرورة» تحتمها مقتضيات الأمن القومي؟ هل «التعتيم» عنها لـ«غرض ما»؟ هل ثمة «تمويه» وخطة «خداع إستراتيجي» مقصودة على غرار ما سبق من الإعداد لحرب أكتوبر؟ عشرات «هل» تبحث عن إجابة.. فهل من مجيب؟!
