رئيس التحرير
عصام كامل

«المحروسة والدعارة».. «كلوت بك وعماد الدين ومحمد علي» أشهر شوارع البغاء..الاحتلال فتح الباب أمام الساقطات الأجانب.. «لائحة التفتيش على العاهرات» أول تقنين رسمي.. «ال

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية
18 حجم الخط

مرت الدعارة في مصر بالعديد من المراحل التاريخية المهمة سجلها الباحثون في وثائق خاصة، وبحسب الكتب والمراجع التاريخية الموجودة في دار المحفوظات فإن ظهور الدعارة في مصر يرجع إلى القرن السادس الهجري، وكان السبب الرئيسى لها في ذلك هو الفقر الشديد وكثرة الضرائب المفروضة على المواطنين.


كانت النساء يضطررن لبيع أجسادهن لتوفير الضريبة وتقديمها للجباة.. غير أن السلطات الحاكمة انتبهت لهذا الأمر، واعتبرت العمل في الدعارة مهنة تدر مكاسب كبيرة، ومن ثم تم فرض ضرائب عليها في أواخر القرن السادس الهجري وسميت وقتها "الحقوق السلطانية".. وفى أوائل القرن السابع الهجرى تم إنشاء ما يشبه الإدارة الخاصة بجمع الضرائب من بيوت الدعارة كانت تابعة للشرطة أو ما عرف وقتها باسم "الصوباشي"، وكانت مهمته التفتيش على بيوت الدعارة وجمع الضرائب من العاملات بها.

بعض الباحثين ربط بين انتشار الدعارة خصوصا الدولية وبين قدوم المحتلين والمستعمرين للبلاد قائلا: "ارتبط ظهور الدعارة في مصر بقدوم الحملة الفرنسية إلى البلاد في عام 1798 بقيادة نابليون بونابرت.. ولأن العادات والتقاليد في المجتمع الغربي، غير متشددة فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية بين الرجال والنساء.

ظن الجنود الفرنسيون أنه في إمكانهم إقامة هذه العلاقات مع المصريات دون قيد أو شرط، وعندما فوجئوا بتعاليم الدين الإسلامي التي تحظر أية علاقة جنسية خارج الإطار الشرعي للزواج، فضلا عن العادات والتقاليد الشرقية التي تمنع مثل هذه العلاقات غير الشرعية نهائيا، حتى بنات الهوى المصريات في ذلك الوقت كن يرفضن إقامة علاقات مع رجل يخالفهن في الديانة.

لجأ الفرنسيون إلى جلب سيدات وفتيات فرنسيات للترفيه عن الجنود وإقامة علاقات جنسية معهم داخل المعسكرات وفى أماكن إقامتهم مقابل مبالغ مالية تحصل السيدات عليها، وتم تنظيم هذا العمل بحيث ترتدي العاهرات ملابسات تميزهن، وتطورت بيوتهن لتتحول إلى ما يشبه المحال التي تقام فيها الحفلات الموسيقية والغنائية وتقدم فيها الخمور، وبكون الدخول إليها بتذاكر خاصة.

مع الوقت عجز الجنود عن الدفع للفرنسيات فعاد بعضهن إلى فرنسا بينما ظل البعض في مصر ليبدأ في تحريض الأثرياء من المصريين على إقامة العلاقات غير الشرعية مقابل المال، وأصبح لهؤلاء "البغايا" وجود فعلي في المجتمع المصري وقتذاك.. أما الجنود والضباط الفرنسيون، فقد اعتنق بعضهم الإسلام، حتى تقبل المصريات بالزواج منهم.... وعندما وصل محمد على باشا إلى حكم مصر في عام 1805، أبقى على ضريبة البغاء فترة إلى أن ألغيت في عام 1837".

أما النقلة النوعية في مجال الدعارة في مصر، فقد حدثت بعد الاحتلال الإنجليزى لمصر عام 1882، حيث بدأت الساقطات وبائعات الهوى الأجنبيات يتوافدن على مصر بكثافة كبيرة، لتلبية رغبات الجنود والضباط الإنجليز، وأصبحت لهن مناطق وأماكن معروفة يتواجدن بها لممارسة تلك الأعمال المخلة تحت حماية الجيش البريطاني ووفق قواعد محددة وشروط معينة لم تكن مكتوبة في البداية.

ومع طول فترة الاحتلال بدأت بعض المصريات في احتراف الأعمال المخلة مقابل أجر مادي بشكل علني، وشيئا فشيئا أصبحت المصريات المنحرفات متواجدات في هذا "السوق" جنبا إلى جنب الأجنبيات، وكن يمارسن هذا العمل مع المصريين والجنود الأجانب على حد سواء.. وفى عام 1885 –حسب وثائق تاريخية- صدر ما يعرف بـ "لائحة التفتيش على العاهرات"، وهذه اللائحة كانت بداية التصريح الرسمي بممارسة البغاء وإصدار تصاريح للعمل في تلك المهنة.

وتلزم تلك اللائحة جميع العاملين والعاملات في مجال البغاء بتسجيل أسمائهم في دفاتر خاصة، بالإضافة لبعض البيانات الأخرى مثل السن والعنوان والحالة الاجتماعية واسم "بيت الدعارة" الذي تعمل به وعنوانه.. وأعطت اللائحة للجهات الحكومية الحق في اقتحام وتفتيش بيوت الدعارة للتأكد من التزامها بالقواعد واللوائح المنظمة لها، والتي كان من اهمها حصول الساقطات على شهادات طبية معتمدة تؤكد خلوهن من الأمراض المنقولة جنسيا والأمراض الجلدية المعدية.

كما كانت تلزمهن بتوقيع الكشف الطبي الدوري في مستشفيات تم إنشاؤها خصيصا لهذا الغرض ومن بينها مستشفى الحوض المرصود بالسيدة زينب، وبعد الكشف تحصل على شهادة أو رخصة مدون فيها اسمها وعنوانها وسنها وتاريخ الكشف، ثم طرأت بعض التعديلات على تلك اللائحة في عام 1897، ثم تم تعديلها مرة أخرى عام 1905، وتمثلت التعديلات في تحديد أماكن معينة لتواجد العاهرات وساعات محددة لتواجدهن في الشوارع والأماكن العامة، وإلزام العاهرات بتوقيع كشف طبي أسبوعي.

وفى ذلك الوقت اشتهرت بعض الشوارع بوجود بيوت الدعارة والساقطات المرخصات فيها مثل شوارع: "كلوت بك الذي اشتهر بكثرة اللوكاندات التي تقيم فيها الساقطات ويقصدها راغبو المتعة المحرمة القادمون من الأقاليم المصرية المختلفة، وعماد الدين الذي اشتهر بوجود الفنانين والفنانات، بالإضافة إلى شارع محمد على صاحب الشهرة الأكبر في وجود الراقصات والعوالم وبعضهن احترف الدعارة إلى جانب الرقص.

أيضا ظهرت بيوت الدعارة المرخصة في مناطق أخرى مثل بولاق أبوالعلا والسيدة زينب، ولكنها لم تكن بنفس الكثافة الموجودة في الشوارع الثلاثة المشار إليها.. وكانت السلطات الحكومية في ذلك الوقت توقع عقوبات على العاملات في هذا المجال دون ترخيص، أي أن الجزاء ليس على الفعل نفسه ولكنه على عدم التسجيل وحمل الشهادة.

في هذه الفترة كانت هناك أسماء وألقاب تطلق على العاملات في الدعارة ومن هذه الألقاب "العايقة" وهى القوادة التي تدير بيت الدعارة ومهمتها استقبال الزبائن واستقطابهم، وعرض الفتيات العاملات معها عليهم للاختيار من بينهن والاتفاق على المبلغ المطلوب.

اما الممارسة الفعلية للدعارة فكان يطلق عليها لقب "المقطورة" في إشار إلى انها كانت تسير خلف العايقة دون أن يكون لها رأى ولا تناقشها في أي أمر.

وبحسب الوثائق والكتب التاريخية التي تحدثت عن تاريخ الدعارة في مصر، فقد اشتهرت العديد من الساقطات المصريات والأجنبيات خلال فترة الاحتلال الإنجليزى ومن بينهن: "حسنة الطرابية، فريدة الإنجليزية، فاطمة طرطور، زينب الفطاطرية، بهية الزايطة، ونبيهة كتكوتة"، كما ظهرت أسماء غير مصرية مثل "جولنار، وأنجليكا، وماريا".

استمر العمل بلائحة تنظيم بيوت الدعارة والترخيص للساقطات منذ عام 1885، حتى تم إلغاؤها في عام 1949، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار دول الحلفاء سنة 1945، اشتدت الحركات الوطنية المطالبة بجلاء الاحتلال البريطانى، ورات هذه الحركات أن ترخيص الدعارة في مصر أمر "مهين" ولا يتفق مع العادات والتقاليد العربية الشقية، ويتنافى تماما مع الدين الإسلامى وشرائعه، وأمام كثرة المطالبات والاحتجاجات، أصدرت الحكومة مرسوما بإلغاء شهادات البغاء، وتوقف مستشفى الحوض المرصود وغيره من المستشفيان عن منح الشهادات الصحية للعاهرات.

في أعقاب ثورة يوليو عام 1952، دخلت مصر في سلسلة من الحروب الخارجية، والتحديات الداخلية، ومن ثم ارتفع الحس الوطنى لدى غالبية المصريين، وكانت النتيجة تراجعا في انتشار الدعارة، ولكنها لم تختف نهائيا حيث ظهرت بعض شبكات الدعارة الكبرى التي تضم فنانات معروفات وكانت تقدم خدماتها الجنسية للأثرياؤ وبعض المنتمين للطبقة الوسطى، بالإضافة إلى بيوت دعارة في أماكن متفرقة بالقاهرة والجيزة، وكانت تمارس نشاطها في الخفاء بعد صدور قوانين تمنع تلك الممارسات المنظمة للجنس.

وبعد حرب سنة 1973، وما شهدته مصر من انفتاح على العالم الخارجى سواء في المجال الاقتصادى أو الثقافى، فقد عادت بيوت الدعارة لتنشط من جديد رغم ملاحقة الشرطة لها، وبدأت العاهرات الأجنبيات في التوافد على البلاد والانخراط في ممارسة الأعمال المخلة مقابل المال.

وخلال عقدى الثمانينيات والتسعينيات، تطورت الدعارة وأصبحت أكثر تنظيما خصوصا مع ظهور الشقق المفروشة التي تحولت إلى أوكار لممارسة الحرام، وتوافد بعض الأثرياء العرب على القاهرة لقضاء إجازات الصيف وفى ذات الوقت الاستمتاع مع بائعات الهوى، اللاتى اتخذن من الكباريهات وملاهى شارع الهرم والفنادق الكبرى مسارح لمزاولة عملهن واصطياد الزبائن.

ثم ظهرت شبكات الآداب الدولية المتواجدة في خارج البلاد حيث أرسلت عضواتها الأجنبيات للعمل في مصر، وبعض الشبكات المحلية طورت نشاطها وبدأت في إرسال عضواتها إلى الخارج خصوصا دول الخليج.

وخلال العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، ظهرت أنواع أخرى من أشكال الدعارة والاتجار في البشر مثل تزويج القاصرات للأثرياء العرب، والزواج محدد المدة، وما يعرف بـ "الرفق".. فضلا عن الزيادة الواضحة في الشذوذ بين الرجال، وظهرت لأول مرة الأفلام الإباحية التي تم تصويرها خلسة، لتباع على الأرصفة.
الجريدة الرسمية