رئيس التحرير
عصام كامل

سلسلة ما وراء التسريحة (11)

صفر العودة
أخيرا وجدت السلسلة، تلك القطعة المعدنية التي لا تساوي خمسة جنيهات، لكنها كانت سببا في خوضي هذه المغامرة العجيبة، التي جعلتني أتجرع التركيبة السحرية لينكمش حجمي حتى أتمكن من أن احتل تلك المنطقة الغريبة الموجودة خلف التسريحة في غرفة نومي.


ها هي سلسلة مفاتيحي بالفعل تلمع أمامي داخل ذلك التجويف في سرداب الفئران، إذا لا يفصلني عن إنهاء مغامرتي هذه سوى العودة بها إلى غرفة النوم، ثم تناول التركيبة المضادة التي ستعيدني إلى حجمي الطبيعي.

بخطوات بطيئة مضيت نحو السلسلة، بينما الفأر يقف قريبا، وهو يرتعد، فمسحوق الفلفل الأسود الذي أحتفظ به في جيوبي ويدي له مفعول السحر، فهذا الكائن اللزج يطيع أوامري وكأنه أسد في سيرك ليس له التنمر على مدربه.

سلسلة ما وراء التسريحة (10)

ليت حسنات زوجتي الكئيبة كانت فأرا، لكنت بهذا المسحوق العجيب سيدا لها، أفعل بها ما أريد وأجعلها تطيع أوامري، كي أرد لها بعضا مما فعلته في طيلة السنوات الفائتة.. لكن هذا ليس وقته، فعلي أن أعود بالسلسلة.
أمسكت بالسلسلة بين أصابع وراحة يدي، وهممت أرفعها عاليا، لكنها كانت ثقيلة الحجم نظرا إلى حجمي الصغير. حاولت كثيرا وكثيرا، لكنني فشلت وجحظت عيناي..

ترى هل كتب علي أن أبقى هنا في هذا العالم العجيب، أم يجب أن أترك هذه السلسلة وأعود إلى حياتي الطبيعية، حتى وإن فصلني عم رجب من عملي، فمن المؤكد أن جثث الموتى في ثلاجة المشرحة قد تعفنت، بسبب انقطاع التيار الكهربائي طيلة الفترة الماضية!

الكثير من الأسئلة والسيناريوهات تدور في رأسي كما الكلاب التي تسابق بعضها البعض، وأنا تائه كرجل تركته زوجته مع أطفاله.

كنت قد اقتربت من حافة اليأس، إلى أن أمعنت النظر فوجدت الفأر واقفا، فخطرت على بالي فكرة، هي أن استعين به وربما بفأر آخر أو اثنين، ليجروا سلسلة مفاتيحي ويخرجوها إلى غرفة النوم، لكن كيف يمكنني أن أسيطر على هذا العدد من الفئران، بل من أين لي أن أجلبها؟!

نظرت للفأر الذي يرتعد، وقلت له إنني سوف أعفو عنه وأطلق سراحه، لكن على شرط..

هز الفأر رأسه مؤمنا على كلامي، وأبدى موافقته على تنفيذ أي شيء أطلبه منه، فشرحت له خطتي، فمضى أمامي كعسكري صغير يطيع قائد وحدته في حرب ضروس.

مضيت والفأر حتى وصلنا إلى جحر صغير داخل السرداب، فدخل هو الحفر ووقفت أنا في الخارج، وكل ما كان يشغلني وقتها هو خوفي من أن يكون لذلك الجحر مخرج آخر يتمكن من خلاله الفأر من الهرب.

غاب الفأر لبضع لحظات، لا أعرف كم بلغت تحديدا، ففي هذا العالم لا يمضي الوقت مثلما يمضي في عالمنا الطبيعي، لكنه أخيرا خرج علي ومعه ثلاثة فئران أخرى، وأخذوا يتبادلون نظرات الشك والريبة معي، ثم انطلقوا أمامي في الطريق نحو الحفرة التي تحوي سلسلة مفاتيحي.

في الطريق وجدت صندوقا، يبدو أنه علبة كبريت سقطت خلف التسريحة، فأمرت الفئران أن تتوقف وأنا ألوح لها ببعض من مسحوق الفلفل الأسود، فتسمرت مكانها وكأنها تعمل بالريموت كنترول، ثم رحت أنا أدفع الصندوق الداخلي لعلبة الكبريت وأفرغته مما به من ثقاب، وكان داخلها أيضا دبوسا من تلك الدبابيس التي نستخدمها في شبك الملابس، فاستخدمته في ثقب العلبة، وصنعت من قميصي الذي كنت أرتديه قصاصات طويلة تشبه الحبال، ربطت بها علبة الكبريت من الجانبين.

سلسلة ما وراء التسريحة 9

وبعدما انتهيت أشرت إلى الفئران كي تحمل سلسلة المفاتيح لتضعها داخل علبة الكبريت، التي باتت الآن عربة زاحفة يمكن جرها، وبصعوبة بالغة انتهت المهمة بنجاح، وباتت السلسلة داخل العلبة.

أوقفت الفئران أمام العربة الصغيرة، ومددت الحبال المربوطة فيها إلى ذيول الفئران التي أصبحت خيولا يمكنها جر العلبة، وسريعا صعدت فوق السلسلة، وأمرت بأن تنطلق الرحلة..

لم يكن الطريق نحو الخروج من وراء التسريحة ممهدا، فقد سقطت السلسلة لأكثر من مرة، وهو ما استدعى أن أفك الحبال عن ذيول الفئران، كي تساعدني في إعادة تحميل سلسلتي فوق العربة التي صنعتها من علبة الكبريت، وفي كل مرة كنا نقضي وقت طويلا، حتى إنني ظننت أنني أبدا لن أغادر هذا العالم الغريب، كما أن التعب أصاب الفئران التي تقمصت دور الخيول، ما جعلني أشفق عليها ببعض الراحة، وإن كان ذلك من باب الإنسانية بشكل ما، إلا أنه في الحقيقة كان أمرا ضروريا، فهذه الفئران إن نفقت لن أتمكن من العودة إلى غرفة نومي.

بعدما التقطت الفئران بعضا من أنفاسها، واصلنا المسير، وكانت الأمور في هذه الأثناء على خير ما يرام، فالطريق بات ممهدا، وقطعنا مسافة لا باس بها، غير أن شيئا لاح في الأفق، إذ أبصرت كائنا ضخما يقترب، وحين بات في مرمى بصري وعلى مسافة تسمح بالرؤية الجيدة، اكتشفت أن أمامي ديناصورا..

ديناصور؟!
ألم تنقرض هذه الحيوانات منذ ملايين السنين؟ أم أن العلماء والكتب والأبحاث كانت تخدعنا؟!

وكما رأيته، أيضا فإن الفئران رأت الديناصور، فأخذت تحاول الإفلات من الحبال التي تقيدها لكي تهرب، وبعد محاولات وإصرار نجحت في الفرار، حتى أن أحد الفئران استدار نحو ذيله وأخذ يقرضه بأسنانه الحادة حتى تمكن من قطعه.. لقد ضحى الفأر بذيله كي ينجو باقي جسده..

ذكرني ذلك الموقف بقصة قرأتها عن سجين، نهش كف يده حتى يتمكن من الخلاص من السوار الحديدي الذي كان حول معصمه.. نعم إن غريزة البقاء قد تدفعنا لفعل ما لا نجرؤ حتى على أن نحلم به..

فرت الفئران، وبقيت أنا في مواجهة الديناصور، وقبل أن استسلم تذكرت أنني لم أعد بخيت ذلك الرجل الطبيعي، فأنا مجرد عقلة اصبع، وهذا الذي أراه أمامي عملاقا ليس ديناصورا.. إنه سحلية.. وهنا استجمعت ما تبقى من كرامتي كرجل بالغ، وأقسمت بأنني لن استسلم، فقد بت قريبا من الخروج من هذا العالم الغريب، والآن علي أن أقاتل فأنتصر أو أهلك.
الجريدة الرسمية