رئيس التحرير
عصام كامل

الحديد والصلب.. كان صرحا من "جمال" فهوى

ما أن علمت بقرار تصفية شركة الحديد والصلب الذي اتخذته الجمعية العامة غير العادية للشركة بعد 67 سنة من الوجود، انتابتني حالة غير عادية من الشجن والحزن، ووجدتني أردد كلمات إبراهيم ناجي في رائعة الأطلال لأم كلثوم: "يا فؤادي لا تسل أين الهوى.. كان صرحاً من خيالٍ فهوى، اسقني واشرب على أطلاله.. واروِ عني طالما الدمع روى، كيف ذاك الحب أمسى خبراً.. وحديثاً من أحاديث الجوى"..


ولكني كنت أضع كلمة "جمال" بدلا من خيال، لأردد كان صرحا من "جمال" فهوى، وأنا أقصد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي أنشأ ذلك الصرح في يوم 14 يونيو 1954. فلم تمثل الشركة بالنسبة لي مجرد شركة عادية، لكنها تمثل قيمة وتراثا وإرثا للعزة والكرامة والتضحية والبذل والفداء، كل ذلك يهوي بقرار ممن لا يعرفون هذه المعاني، ولم يعايشوها، بل يكرهون ثورة يوليو 1952 لأنها سلبت منهم ما كانوا يتمتعون به من خيرات البلاد من دماء الفلاحين والبسطاء، فكان في تأسيس شركات العزة والكرامة ما يُبغض إليهم الحياة، ويذكرهم بماضيهم في الباشاوية والباكوية التي كانوا من خلالها يستعبدون الناس، فما أن تأتي الفرصة لقتل معاني الشرف والكرامة والعزة حتى ينتهزوها معيدين التاريخ خطوة للوراء.

الهندي بـ 1.5 والتركي بـ2 والمصري بـ 4 دولارات

فلم تكن شركة الحديد مجرد شركة أسسها الزعيم، لكنها كانت صرحا لم يسبق له مثيل، فقد كانت مصر في العهد الملكي - الذي يتباكى عليه الآن أذنابه ويتمنون عودته ويشاركون في إحيائه بالفعل من خلال قتل منجزات ثورة يوليو 1952 – لا تملك مصنعا واحدا لصناعة الحديد والصلب، وإنما كانت تمتلك مجرد ورش لصهر بعض مخلفات الحديد من الحرب العالمية الثانية، وكانت فكرة إقامة مصنعا للحديد تراود بعض المصريين في عهد فؤاد الأول بعد أن تم توليد الكهرباء من خزان أسوان، لكن تلك الفكرة كان يُقضى عليها تحكم طبقة الباشاوات والنصف في المائة في مصير المصريين..

ولم يكونوا بالطبع يريدون الخير لمصر وأهلها، وإنما يريدون أن يظل الشعب جاهلا فقيرا ليظل تحت سيادتهم وأمرهم، مستعبدا في أراضيهم وضياعهم وسراياهم ودوائرهم وعزبهم ونجوعهم، وظل الحال على ما هو عليه حتى قامت ثورة الشعب الكبرى في يوليو 1952، وجاء من قلب ذلك الشعب المستعبد من يحكمه فيشعر بآلامهم ويبدأ في تحقيق آماله، ويعرف لمصر حقها، وللشعب حقوقه ووطنيته وقدرته على التغيير، فأمسك الزعيم جمال عبد الناصر بالزمام، وقرر تحرير المصريين من نير الباشاوات والمستعبدين والمستعمرين، وأن يصير من حق المصريين أن يكونوا في عزة وكرامه كباقي شعوب الأرض، يمتلكون وسائل التصنيع والتعليم والكرامة.

فكان البدء في النهضة الصناعية بجوار الزراعية وإعادة الأرض لأصحابها من الفلاحين، وكان على رأس هذه النهضة الصناعية إنشاء مصنع الحديد والصلب بكل قوة رغم التيارات المعارضة والمعوقات الكبرى، لكن إصرار الوطني جمال عبد الناصر على نهضة المصريين كان الفيصل، وأراد أن يكون ذلك المصنع ملكا للمصريين جميعا وليس للحكومة حتى يشعر كل مصري أنه هو الذي يمتلك ذلك المصنع الكبير والحلم الضخم، فتم الاكتتاب الشعبي، وكانت قيمة السهم جنيهين مصريين يضاف إليهما خمسون مليمًا مصاريف إصدار..

وفى يوم 23 يوليو 1955 قام عبد الناصر مع أعضاء مجلس قيادة الثورة بوضع حجر الأساس الأول للمشروع على مساحة تزيد على 2500 فدان شاملة المصانع والمدينة السكنية التابعة لها والمسجد الملحق بها، بعد توقيع العقد مع شركة ديماج ديسبرج الألمانية (ألمانيا الشرقية آنذاك) لإنشاء المصانع وتقديم الخبرات الفنية اللازمة.  

حكاية شركة من الزمن الجميل

وبالرغم من ظروف العدوان الثلاثى سار العمل بهمة ونشاط في بناء المصنع، ولقى المشروع الوليد معاونة صادقة من كل أجهزة الدولة مثل مصلحة الطرق، والمرور وسلاح الحدود الذين تضافرت جهودهم لتيسير عمليات النقل، ففى نفس التوقيت تم تشغيل ميناء الدخيلة لتوريد الفحم اللازم لتشغيل الأفران، وكذلك خط سكك حديدية من الميناء تصل إلى حلوان وخط سكك حديدية آخر لتوصيل خام الحديد من الواحات إلى حلوان.

ولم يأت شهر نوفمبر من عام 1957 حتى كانت الأفران الكهربائية الخاصة بصهر الحديد قد بدأت أعمالها بالفعل، وفي 27 يوليو 1958 افتتح عبد الناصر الشركة الوليدة لتبدأ الإنتاج في نفس العام باستخدام فرنين عاليين صُنعا بألمانيا، ولا تسل عن فرحة أبناء الفلاحين والبسطاء وهم يرتدون بذلة العمل الزرقاء، ويعملون في المصنع بكل همة ونشاط وسعادة منقطعة النظير؛ ليشكلون الحديد بأشكال المنتجات الحديثة، ويشعرون بقيمة كدهم وعملهم وتجمعهم في ورديات تحمل معاني العزة والسعادة والفرح والسرور بتقدم بلادهم، وحملهم الخير لأسرهم، وتحقيقهم حلم وطنهم في أن يأخذ مكانته بين الأمم النشأة؛ لتكون بذلك شركة الحديد والصلب لها السبق ليس في مصر فقط بل العالم العربي في ريادة صناعة الحديد والصلب..

وفي 1991 تبعت "الحديد والصلب" للشركة للقابضة للصناعات المعدنية، ورغم ريادة الشركة في مجال الصلب بالوطن العربي ظلت تعاني وتحقق خسائر، بسبب تقادم الآلات والمعدات وعدم توافر الخامات اللازمة، كما تفاقمت مديونيات الشركة حتى بلغت 6.3 مليار جنيه، في سبتمبر الماضي .

وأفادت دراسة نشرت لبنك الاستثمار القومي عام 2017، إن صناعة الصلب في مصر تأثرت بشكل سلبي نتيجة قرار الحكومة بتعويم الجنيه المصري، نتيجة ازدياد نفقات التشغيل للمصانع، نتيجة لارتفاع سعر الدولار، بجانب انقطاع موارد الطاقة كالغاز الطبيعي عن المصانع بشكل متكرر. كما حذرت الدراسة من أن صناعة الحديد المصرية تواجه الكثير من المشاكل من أهمها المنافسة غير العادلة مع الحديد المستورد، حيث زادت عمليات إغراق السوق بالحديد المستورد، وبخاصة من تركيا وأوكرانيا والصين بأسعار تقل عن تكلفة إنتاجه.

كما حذرت من خطورة ضعف التنافسية في السوق وسط احتكار شركة حديد عز لما يقرب من 50 % من حجم الإنتاج الكلي للحديد في مصر تقريبا. إذا فالسبب الأساس في خسائر الشركة الحكومة ذاتها التي عومت الجنيه دون دراسة تامة لأحوال مثل هذه الشركات، ورفعت سعر الغاز ولم توفره بالصورة المثلى للشركة؛ مما كبدها الخسائر الكبيرة وأفقدها التنافسية التي لم تحمها الحكومة من عدم نزاهتها، وبعد أن تحققت الخسائر ذكرت الحكومة أنها مع تصفيتها لأنها تحقق خسائر.
الجريدة الرسمية