رئيس التحرير
عصام كامل

عودة المعارضة الوطنية ضرورة

منذ سنوات ثلاثة وأنا أكتب مطالبا بحوار وطنى، يجمع كافة أطياف المجتمع والتيارات السياسية، ممثلة في الأحزاب والنقابات المهنية من أجل التوافق حول القضايا الوطنية الملحة على أجندة الوطن، وإثراء الحوار المجتمعي حول قضايا الوطن من شأنه ترتيب البيت من الداخل، لمواجهة التحديات القائمة والقادمة عبر أجندات دولية تحاول فرض نفسها مستغلة حالة احتقان قائمة، وقد تكون هناك قضايا مرتبطة بالحريات وقضايا أخرى مرتبطة بمصير التجربة واستشراف آفاقها والحيلولة دون تدخل نرفضه جميعا، فقضايا الوطن لابد وأن تنبع من أجندة وطنية خالصة.


يلوح في الأفق تيار قادم عبر قوى دولية لم يكن تدخلها في شئون البلاد والعباد جديدا علينا، وقد جربنا بعد ثورة الثلاثين من يونيو تدخلا سافرا، وقد واجهناه شعبيا وسياسيا واقتصاديا ونجحنا فيه لأسباب كان أهمها في مواجهة التدخل -أيا كان منبعه- اللحمة الوطنية التي عبر عنها الشعب المصرى بكافة طوائفه، عندما خرج إلى الشوارع والميادين واستمسك باختياراته.

الحوار الوطنى مصدر قوة في مواجهة أي قوة، وتعميق لغة الحوار من شأنه ترتيب الأوضاع، ووضع أجندة للأولويات الوطنية والتخطيط وفق رؤي متباينة تتفق على المبادئ والطريقة والأهداف، ولا أظن أن من بيننا من يرغب في فرض الوصاية على الآخر أو الانفراد بقرار مادامت جرت وقائع مناقشته على أرضية وطنية تتفق عليها كافة أطراف الحوار، وولادة صوت آخر يعارض ما يرى أنه لا يصب في صالح الوطن واستقراره أمر أصبح ضروريا وملحا وقابلا للتطبيق، بعد تجربة قاسية أرادت فيها جماعة وحدها الانفراد بمصير البلاد والعباد فكان ما كان.

معارضة الرئيس

في السنوات القليلة الماضية حققنا الكثير من الإنجازات على أرض الواقع، في مجالات مهمة بدأت بالطرق ومرت بالعشوائيات ولم تنته بالإسكان، غير أن هذا الواقع أفرز غيابا للصوت الآخر، ووجوده من شأنه أن يكون نبراسا هاديا ودالا على نجاح التجربة، فمصر بلد كبير في محيطه ويستحق التشارك من أجله ومن أجل استقراره وهدوئه ووحدته.

القوى السياسية الغائبة عن المشهد أصبح وجودها ضروريا، وبالطبع ليس من بين هذه القوى أية قوى استخدمت العنف طريقا وسبيلا لتحقيق أهدافها، أو النيل من استقرار الوطن أو الإساءة إلى جيشه، وإذا كان الاستقرار هو الهدف المنشود فإن ذلك لن يتحقق وفق رؤية واحدة أو استفراد بالرأي، وإنما تؤكد تجارب الإنسانية أن المعارضة أساس الاستقرار لأنها تمثل جرس الإنذار عندما نحيد عن الطريق أو نفقد البوصلة.

على أن التجربة التي مرت بها بلادنا تشير إلى أن حالة السيولة التي أعقبت ثورة يناير لم تكن في مصلحة الوطن، وبدا أن الاستخدام الرشيد للصوت الآخر، والاعتماد على نخبة واعية بما يدور حولنا وما يجرى على حدودنا هو الوعاء الحامى والجدار الصلب الذي يحول بيننا وبين الفوضى.

المواطن دايما مخالف!

والمعارضة لا تعني أن تهدم الآخر وإنما تصحح تحركاته إذا اقتضت الضرورة، والإسهام بالدعم الكامل إذا اقتضت الظروف، إذ إن الهدف هو الوصول إلى نموذج أكثر وعيا لإدارة شئون البلاد، والحوار إسهام، وتباين الرؤى ظاهرة صحية، ووجود البدائل وتعدد الحلول لن يتوفر مع تيار وحيد يدبر الأمر، كل الأمر، فالديمقراطية وجدت كأداة نموذجية لتداول سلمى للسلطة، وهي التعبير الأكثر دقة حتى تاريخه للإدارة الرشيدة، وما نقوله ليس جديدا، فالشعوب هي التي تمنح أوطانها القوة الحقيقية والكافية للحيلولة دون الوقوع في أخطاء الماضى، والتعدد سنة كونية أثبتت التجارب صلاحيتها ونجاحها أكثر من غيرها، ونظن أن مصر دولة غنية بمفكريها ومثقفيها، ولاتزال تمتلك من القوة الناعمة ما يجعل إضافة لغة الحوار والإنصات إلى الرأي الآخر معينا جديدا لتجديد حيويتها وشبابها وقدرتها على مواجهة التحديات.

صدق النوايا وتوافر المناخ، والقدرة على ضبط أدوات الحوار، والإيمان بالتعددية، والوثوق بالرأي الآخر، وطرحه على المائدة، ووضع التحديات في موضعها الحقيقي كلها أدوات نجاح، وما نطالب به من حوار وطنى لا يقصى قوة شرعية، ولا يهمش تيارا لديه من الأفكار ما يستحق أن نناقشه ونستفيد منه.
الجريدة الرسمية