اغتيال البراءة.. بالقانون
في قاعة يخيم عليها الحزن ويطبق عليها الصمت جلس الأبوان المكلومان وبجوارهما وجوه يكسوها الألم وقلوب تعتصرها الحسرة، في انتظار سماع عدالة الأرض بحكم قد يطفئ جزءا من نار أوقدها شابان هما في الأصل ذئاب في صورة بشر، اغتالا في لحظة غاب فيها العقل وأعدم القلب، براءة طفلة لم يتعد عمرها أصابع اليد الواحدة من أجمل ما يمكن أن ترى العين تجمع بين الحلاوة والشقاوة.
شابان نُكبت بهما مصرنا تجردت شخصيتهما من كل معانى الإنسانية، والقيم الدينية والخصال العربية، تحكم فيهما شيطان الرذيلة وزين لهما أعمالهما الخسيسة القذرة، فكانت "زينة" الطفلة البريئة بين أيديهما كفريسة بين أنياب ذئاب جائعة ومخالب طيور جارحة، فلم يرق قلباهما لصرخاتها، رغم أنها تسكن معهما في نفس العقار في مدينة بورسعيد، بل استدرجاها إلى سطحه لافتراسها وزاد الطين بلة بإلقائها من علو شاهق يساوى أحد عشر طابقا لتسقط غارقة في دمائها لافظة أنفاساها لاقية ربها تاركة الحزن والأسى لأبويها.
وعندما علا صوت القاضى لينطق بالحكم أسفا على المجرمين بالسجن وفقط 15 عاما وفقا لقانون الطفل في شقه الجنائى وهى أقصى عقوبة يمكن أن تطبق على الذئبين اللذين وفقا للقانون أطفال لم يبلغا الثامنة عشر عاما، مبديا عدم قدرته على إصدار حكم الإعدام بسبب القانون الذي يحكم وفقا له، ازدادت النار نارين في قلوب أسرة زينة، وعلا هتاف الذئبين وأهلهما ملوحين بعلامة النصر، وكيف لا يهللون وكل ما سيحدث لهما مجرد سجن أعوام قليلة.
قضية الطفلة زينة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، ولكنها القضية التي نالت حظا أوفر من التغطية الإعلامية وبالتالى التعاطف الجماهيرى، فعن شخصى بكيت على فقدانها كما لو كانت ابنتى وتألمت لفراقها كما لو عاشت في حضنى طوال سنواتها المعدودة.
ولعل الطفلة مى ذات الأربع سنوات هي آخر ضحية لهذه الحوادث وهى الآن بين يدى الله في غرفة العناية المركزة بمستشفى جامعة قناة السويس بالإسماعيلية وحالتها الصحية خطرة بعد أن تم اغتصابها من مجهول لم يتم الكشف عنه حتى كتابة هذه السطور، وقبلها يوم الإثنين الماضى كانت الطفلة هدى التي لم تكمل عامها الخامس على موعد مع الموت حيث استدرجها أحد الذئاب البشرية إلى منزل تحت الإنشاء بمحافظة المنيا قرية دمهرو، وقام باغتصابها وحينما صرخت خنقها ثم هشم جمجمتها بقالب طوب وتركها عارية يغطى الدم وجهها وبقايا سائل منوى نصفها السفلى، وغير زينة ومى وهدى اكتشفت وجود قصص مأساوية كثيرة جميعها تحمل نفس السيناريو على اختلاف تفاصيله المُرة ولا تتسع السطور هنا لسردها، حيث جمعت والدة الطفلة زينة ووثقت 65 جريمة اغتصاب تعرض لها أطفال لم تتم محاسبة مرتكبيها بعقوبات رادعة بسبب قانون الطفل.
تذكرت ما يتم قوله في مواسم التحرش التي اعتدنا عليها في السنوات الأخيرة، لمن يبرر للمتحرش فعلته باتهامه للفتيات بأن ملابسهن مثيرة وسلوكياتهن في الشارع مستفزة والشباب مسكين لا يملك ما يمكنه من الزواج، فتساءلت عن مبررات من يعتدى جنسيا على طفلة لم تكتمل ملامح أنوثتها بعد فلم أجد غير إجابة واحدة وهى أننا نعانى انفلاتا أخلاقيا وسلوكيا ودينيا غير مسبوق لن يتم علاجه طالما أصرينا على غرس رؤوسنا في الرمال وغض البصر عن الحقيقة والحديث عن أسباب واهية ليس لها علاقة بالمأساة التي نعيشها.
والسؤال هنا ألا تستحق كل هذه الحوادث التي قاربت أن تكون ظاهرة دخيلة على مجتماعتنا أن يتم تعديل قانون الطفل في المادة المتعلقة بالسن والتي تعتبر " شحطا " يبلغ 18 عاما طفلا، حتى يكون المعتدى جنسيا عبرة لمن يعتبر ربما نقلل من مثل هذه الحوادث.. وكفى علينا دم وكفى عنف وكفى قتل، أرجوكم لا تتركوا القانون يغتال أطهر ما فينا لا تتركوا القانون يغتال البراءة.
