رئيس التحرير
عصام كامل

ورق اللبلاب.. والثعبان

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
18 حجم الخط

كان أسعد أيام حياتي في الطفولة يوم شم النسيم.. لأننا نذهب القرية ونقضي اليوم في حقول الفل والياسمين، الزهور التي أعشقها وكنت أشعر وأنا في الحقل وأقطف هذه الأزهار بيدي أنني في جنة الله في الأرض.

ولكن في هذا اليوم حدث شيء مخيف حال بيني وبين هذه الزهور، عندما ذهبنا لقطفها نبهوا علينا أن لا نقترب من تكعيبة اللبلاب، التي كان لابد أن نمر من جانبها حتى نصل لحقل الفل، فتسألت لماذا؟ قالوا لأنها مليئة بالثعابين السامة، فتوقفت في ذهول أنظر إليها من بعيد!! وجدت تكعيبة مغطاه بأوراق اللبلاب بشكل كثيف جدًا لدرجة جعلته مكانا مظلما لا يصل إليه ضوء الشمس، وكأنه كهف مهجور، وتغلب عليه خوفي الشديد من الثعابين على عشقي للفل والياسمين، ولم أستطع مجازفة أن أمر بجانبها وجلست في مكاني أنظر إليها بخوف وترقب، حتى رأيته.

نعم ثعبان طويل يمر تحت الأوراق يحاول اصطياد عصفورة صغيرة وقفت على التكعيبة ولكنها طارت قبل أن يلدغها، وهنا دارت أسئلة كثيرة في رأسى وكنت مصممة أن أجد لها إجابات، فسألت جدى لماذا تزرعون اللبلاب طالما إنه خطر هكذا؟ فأجابنى إننا نحبه لأنه ينمو بشكل سريع دون أي مجهود ويحمينا من حرارة الشمس فنستظل تحته في الصيف، ولكن يجب أن نتابعه منذ البداية ونهتم به حتى لا تلتف الأغصان حول بعضها وتكثر حتى تصبح بيتا للزواجف الخطرة، فاللبلاب سلاح ذو حدين.

ومر اليوم ولكن لم تمر التجربة والدرس من حياتي، لأنى وجدت اللبلاب في أشياء كثيرة في حياتنا خصوصًا العلاقات الشخصية والاجتماعية، فعندما نشعر بطيبة وحنان شخص فنقرر أن نتخذه صديقا حتى يغمرنا ويغلف حياتنا بهذا الحنان دون أي حسابات ومراجعات لمساوئ هذا الشخص، وبالعشرة والتعود تبدأ رحلة التجاوز عن أخطائه وعيوبه، فإننا نراه يكذب في هذا الموقف، وينافق في موقف آخر، ويستهين بمشاعرنا وتتبدل مبادئه حسب ظروفه واحتياجاته، ومع ذلك نستمر تحت مسمى صديق العمر وكأنه حصن لا نستطيع اختراقه.

وبالتدريج تتحول العلاقة إلى أغصان لبلابية تلتف حول حياتنا وتحجب عنا أي ضوء أو فكر أو رؤية جديدة للحياة فلا نرى إلا ورق اللبلاب، الذي في بعض الحالات يصل أن يلتف حول رقبتا ويصيبنا بالاختناق اعتقادًا منه إنه يحمينا، ولا يمكن أن نتخلص منه في هذا الوقت إلا بعد أن نتعرض للجرح والأذى لتملكه من حياتنا.

ونجد نفس الشء عندما تصيبنا سهام الحب، فقد مضت حياتنا ونحن نحلم بأشياء جميلة سوف نعيشها مع من نحب، ونتخيل مدى عطائه ورقته وصدقه وننسج قصصا لم تتعد خيالنا عن هذا الحبيب، وعندما نصادفه نجذبه بشدة داخل حياتنا ونبدأ في معايشة هذه الأحلام دون أي تقييم أو تهذيب لهذه العلاقة، فقط الاحتياج هو من يتحكم فينا، إلى أن يلتف هذا الشخص الذي لا يحمل ولو جزء من أحلامنا، يلتف حول حياتنا ويجعلها مظلمة مهجورة تسكنها المشاعر الموحشة.

وللأسف الشديد لم تنته العلاقات اللبلابية في حياتنا عند الغرباء!! لا بل كثيرًا جدا نجدها من الأباء الذين يعطون لأنفسهم الحق في محاوطتنا والالتفاف حولنا بشدة وإحكام بهدف حمياتنا فلا يملك الصواب والخطأ إلا هم ولا يدرك الحكمة إلا هم ويحرموا علينا التجربة التي ستثقلنا بالخبرة والخطأ الذي سيعلمنا الصواب، ولتشعب هذا العلاقات في حياتنا وتأثيرها القوي فينا أصبحنا نبحث عن أهداف جميلة وراقية ونطالب بها ونحارب من أجلها ولكن دون أدنى مسئولية أن نتابع هذه الأهداف والمطالب والأحلام ونبذل الجهود لتحقيقها وتهذيبها وتقييمها، فأقمنا الثورات وأشعلناها بمبادئنا السامية وطالبنا بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

ولكننا كعادتنا لم نتابع من سيحقق هذه المبادئ وأعطينا كل ثقتنا التي تخلو من الخبرة إلى نبتة للبلابية فاسدة انتشرت بصورة هيستيرية وتكاثفت والتفت حول بعضها إلى أن حجبت عنا الشمس والأمل وأرادت أن تحبسنا في كهوفها المظلمة وعندما حاولنا الخروج هاجمتنا بحياتها وثعابينها السامة التي خبئتهم بين أغصانها حتى يأتى يوم إطلاقهم علينا وإذا بهم يلدغون خيرة شبابنا ويبتلعون خيراتنا ويسممون كل من يحاول إنقاذنا.

وكأننا كتب علينا إما نحترق من شدة أشعة الشمس أو نموت في كهوف مظلمة تحاوطها الأفاعى!! وبعد أن دب اليأس في عقولنا وقلوبنا يلهمنا الله بالرفاعى الوحيد القادر على أن يخلصنا من الثعابين السامة ورغم إنه يتعرض للدغ منها لكنه أبداً لم يستسلم فقد قرر أن يحررنا، وواجبنا أن نعاونه بعد أن يقضى على هذه الأفاعى الخطرة أن نبذل قصارى جهدنا في تهذيب أوراق اللبلاب وفصلها عن بعضها وبتر الفاسد منها لنسمح لضوء الشمس أن يخترق أرضنا مرة أخرى وينتشر الدفء والأمان، ونعود ونقطف أزهار الفل والياسمين.

الجريدة الرسمية