رئيس التحرير
عصام كامل

معادلة صعبة.. من يحلها؟!

18 حجم الخط

كأن بيننا وبينها عداء تاريخي. الود مفقود والتعاطف مرفوع، رغم صدقها وجمالها، لكنها صعبة. نحترمها نعم، نفهمها لا. علاقتنا معها يومية، لكنها سطحية. هذا تقريبًا حال كثير منا مع الأرقام. وهكذا حال الإعلام معها أيضًا.
تحاول ترتيب لقاء مع صديق، فيكون الموعد من نوع: بعد العشاء أو قبل الماتش أو ”حوالي“ الساعة ٧، وعندما تتصل به لأنه تأخر، يقول لك: ”على الطريق. شوية وأبقى عندك“.


الإعلام نفسه مليء بعناوين تشبه مواعيد صديقك هذا. ستجدها مليئة بأوصاف من نوع: ملايين المشجعين، زيادة ضخمة، إقبال كبير، ارتفاع هائل، انخفاض محدود. ناهيك: أول وأفضل وأعلى.. وفي لغتنا الجميلة ما يغري بالمزيد من تلك الصفات. فحدث ولا حرج.


الميديا بهذه الطريقة تمسح الظواهر والوقائع من أعلى، بدون جهد أكبر لقياسها ومقارنتها بغيرها أو حتى بنفسها عبر مراحل تطورها. ضبابية شديدة نغرق فيها جميعًا مع غياب الأرقام تجعلنا لا نرى الأمور على حقيقتها، في وقت تشتد فيه صعوبة التحديات من حولنا. 


يتحمل المجتمع بعض المسؤولية، فالثقافة العامة تخاصم الأرقام، والرياضيات تمثل عقدة لكثير من الطلاب. في اختبارات TIMSS الدولية لعام 2019، التي تقيس مستوى طلاب الصف الثامن في الرياضيات والعلوم، حصل طلابنا على 413 نقطة، مقابل 481 لطلبة البحرين و496 نقطة لطلبة تركيا، في اختبار متوسطه المرجعي500 نقطة. وهي فجوة تكشف عن مشكلة حقيقية في مستوى التحصيل تتفاقم على المدى البعيد.


ومع ذلك، يتحمل الإعلام هو الآخر مسؤولية كبيرة. صحيح أنه يقدم للجمهور كل يوم أسعار الذهب والدولار والبنزين والكهرباء والسلع الغذائية، لكن الأرقام في القصص الإخبارية منزوعة أحيانًا من سياقها، خالية من المعنى، فتصبح مضللة حتى ولو كانت صحيحة. الرقم لدينا زينة، لقطة عابرة، ضيف شرف، وليس محور القصة الخبرية وبطلها الأساسي. 


يحدث ذلك في مختلف التغطيات، حتى تلك التي لا تتعلق بالاقتصاد، على الرغم من أنه لا يمكن فهم الواقع من دون أرقام وبيانات وإحصائيات ونسب مئوية ورسوم بيانية. انظر مثلا إلى تغطية مباراة للأهلي والزمالك، على الأرجح لن تجد أية أرقام تجيب على أسئلة من نوع: كم كيلومترًا قطع كل لاعب؟ وكم تمريرة صحيحة أرسلها؟ وما نسبة نجاح التمريرات؟ وكم فرصة حقيقية صنعها كل فريق؟ وما العلاقة بين تكلفة الفريق وقيمته السوقية ونتائجه؟
ولو انتهت المباراة بالتعادل، قد لا تجد الصحافة ما تكتبه. بل انظر للصفحة الأولى في أي جريدة، وفتش عن الأرقام.. أنت وحظك!

 
لكن في الحقيقة الإعلام معذور.. فأين هي الإحصائيات التي يمكن معالجتها والاعتماد عليها لتقديم تغطيات صحفية نوعية؟ نحن نعاني من شح حقيقي في المعلومات المتاحة، يحتاج الوصول إليها المزيد من الجهد والصبر. 

 

ما الحل إذن؟!  

صحافة البيانات والـ Fact - Checking واستطلاعات الرأي. الثلاثة يمكنهم المساهمة في سد فراغ إعلامي كبير. طالما لا يمكن الوصول إلى بيانات كاملة ووافية عن أداء مختلف القطاعات، يمكن للصحفيين الاعتماد على البدائل: البحث في المصادر المفتوحة وتدقيق البيانات واستطلاع رأي الجمهور نفسه.


واستطلاعات الرأي النزيهة تحديدًا -إذا ما استوفت الشروط العلمية السليمة- تمنح الناس فرصة التعبير عن أنفسهم دون خوف وأن يصل صوتهم لأصحاب القرار، خاصة عندما لا تقوم المجالس النيابية بدورها.


ويمكن اعتبارها مقياس موضوعي للرأي العام، من شأنه قطع الطريق على أي إعلامي أو سياسي يحاول القيام بدور المتحدث الرسمي باسم الشعب. وعندما يصر أحدهم على القيام بهذا الدور عنوة، سوف تعكس استطلاعات الرأي الموقف الحقيقي للجماهير بشأن أي قضية مطروحة على الساحة.

وهنا تتحول الصحافة من ناقل للمعلومات إلى مؤسسة تنويرية، بالمعنى الحقيقي، لانتاج المعرفة ونشر الفهم. لكن يحتاج الأمر إلى جهد كبير لتدريب وتأهيل الصحفيين، حتى يمكنهم تطبيع العلاقات بين المجتمع والأرقام. 
حينئذ سنصبح أكثر دقة وأشد انضباطًا، وسوف يصل إليك صديقك في السابعة تمامًا، وليس بعد العشاء أو قبلها.

ahmedmostafaalomla@gmail.com

الجريدة الرسمية