حرب الريموت.. من النزاعات الأسرية للصراعات الدولية
يدور الآن صراع، سياسي واقتصادي وثقافي، بين بريطانيا وأميركا، خلف الشاشات على بضعة ملليمترات مساحتها أقل من بصمة الأصبع الصغير. زر على الريموت كونترول. من يسيطر عليه؟! المعارك العائلية السلمية البريئة التي كانت حدودها غرف المعيشة على من يتحكم في جهاز التحكم عن بعد، اتسع نطاقها عبر الاطلنطي. صارت أكثر شراسة وحدة. أطرافها عمالقة في عالم الإعلام والمال وحكومات وبرلمانات تريد منع الاحتكار وحماية الهوية الوطنية والثقافة المحلية.
ببساطة، مؤسسات بريطانية إعلامية كبيرة بحجم بي بي سي تشعر بالغبن في بلدها أمام منصات مثل نيتفليكس. والسبب زر على الريموت تتمنى الهيئة العريقة، مع مؤسسات أخرى، لو أنه كان للمحتوى البريطاني زرًا مميزًا مثل الشبكة الأميركية.
تتمتع نيتفليكيس بهذه الميزة منذ أبرمت في 2011 صفقة مع كبريات شركات إنتاج شاشات التلفزيون مثل سامسونج وآل جي وسوني، لمنحها زرًا خاصًا على أجهزة الريموت، لتسهيل وتسريع وصول محتواها للمشاهدين، والعكس صحيح.
في 2015 ظهرت أجهزة الريموت الجديدة في أوروبا. ومن يومها تبدل الحال. خطفت نيتفليكس بعضًا من جمهور المحطات المحلية. وبزرها الملون الأحمر على الريموت فرضت نوعًا من الهيمنة الثقافية. هكذا ترى المؤسسات الإعلامية غير الأميركية.
قبل أيام قدمت شركة Everyone TV التي تملكها بي بي سي والقناة الرابعة والقناة الخامسة وITV مذكرة رسمية لهيئة تنظيم البث البريطانية (أوفكوم) تقول فيها إن أجهزة الريموت غير عادلة وتمييزية ضد المحتوى البريطاني المحلي.
ترى تلك القنوات أنه من الصعب على المشاهدين الوصول لبرامجها المحلية بسب عدم وجود أزرار خاصة للبث العام البريطاني. ردت الشركات المصنعة بأن الأزرار مساحات إعلانية تبيعها بمقابل للمنصات العالمية، مما يسهم في خفض أسعار أجهزة التلفزيون.
بل واعتبرت أي محاولة لفرض أزرار محددة بقوة القانون تدخلًا غير مبرر في تصميم المنتجات والحرية التجارية.
ولسان حالها يقول إنه لا يمكن صناعة ريموت مختلف لكل دولة. هذه المعركة تكشف كيف تحولت قطعة بلاستيكية صغيرة بريئة تمامًا إلى سلاح حساس وميدان صراع في الوقت نفسه.
ظهرت النسخ الأولية للجهاز الصغير كمحاولة للتحكم عن بعد في معدات عسكرية. رسخ أقدامه كابتكار رائد لتغيير محطات التلفزيون منذ عام 1955. ثم صار إحدى أهم قطع الأثاث المنزلي. غير مذاق الأمسيات أمام الشاشات. زادت أهميته عندما تعددت الخيارات بظهور الفضائيات.
منح الريموت المشاهدين حرية الاختيار بسهولة. لكن زر نيتفليكس قلص هذه الحرية بنعومة ومكر. وبالخوازميات الذكية التي تحاصرهم بقائمة تفضيلات طول الوقت، فقد الريموت حياده وصار منحازًا. عبر هذه الثغرة، تمر أجندة من القيم والأفكار التي قد لا تتفق مع تقاليد وأعراف كثير من المجتمعات، خاصة في بلداننا العربية.
في كثير من أعمالها، تلح المنصة التي تتمتع بشعبية كبيرة، خاصة بين الأجيال الشابة، على طرح انحرافات أخلاقية كالشذوذ الجنسي والخيانات الزوجية والمشاهد الحميمية أو إدمان المخدرات والعنف، باعتبارها أسلوب حياة وخيارات شخصية. الأمر إذن أكبر بكثير من مجرد ملليمترات معدودة على الريموت.
وبينما تحاول المنصات الأوروبية مقاومة هذا المستوى من النفوذ والنفاذ، لأسباب تتعلق بالمال والهوية، تلتزم المؤسسات العربية ما يشبه الصمت.. تبدو وكأنها في حالة استسلام تام. فلا الهيئات الإعلامية الوطنية تتحرك ولا الحكومات تحاول وضع ضوابط منظمة. اللهم إلا قليلًا من العتاب والمناشدات بمراعاة فروقات الثقافات. بل أن الكارثة أن بعض المحطات العربية تحاول مجاراة نيتفليكس.
هنا أيضًا يصبح الحديث عن الريادة والتاريخ والجغرافيا، بلا معنى، عندما لا تملك حتى زرًا على الريموت ولا منصة قوية، على الرغم من كل ما لديك من ثروة فنية هائلة وإنتاج ضخم يتفرق دمه عبر منصات عربية أخرى غير مصرية، لها زر بجوار نيتفليكس وأمازون ويوتيوب.
ومع ذلك، لا يمكن للريموت أن يصنع محتوى أو نفوذًا. فقط يجعل الاختيار سهلًا، ليبقى السؤال مطروحًا: كيف صار جهاز التحكم عن بعد، يتحكم خفية في مستخدميه، بدلًا من مساعدتهم في تحديد اختياراتهم؟!
ahmedmostafaalomla@me.com
