نوبل والباذنجان لا يجتمعان
”هو الوحيد فينا اللي ضاع، لو كان طلع فنان كان كسب أكثر بكثير.. هههههه“، هكذا سخر ذات مرة فنان شهير من شقيقه الحاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من اليابان في الكيمياء الفيزيائية.
لم يأبه الإعلام كثيرًا بالشقيق العالم ولا بأبحاثه أو إنجازاته العلمية النوعية. فقط حول ”الإيفيه“ إلى ترند، ثم تابع اهتمامه المعتاد بالنجم وتعليقاته وتقليعاته.. ونسي تمامًا شقيقه الحاصل على جائزة الدولة للتفوق في العلوم الأساسية عام 2020.
هذا التجاهل يجسد تقريبًا حال العلم في إعلامنا. قضية منسية، لا تُذكر إلا قليلًا. يتجلى ذلك بوضوح أكبر في مواسم إعلان جوائز نوبل كل عام. الاهتمام جله ينصب على نوبل في الآداب. هي فقط التي تثير حماس المثقفين، فيكتبون عنها كلامًا كثيرًا مكررًا.
أغلبه حكايات وذكريات عن فوز نجيب محفوظ بالجائزة، وعما إذا كان يوسف إدريس أحق بها، ولماذا تخاصم أدونيس أو عن تحيزات القائمين عليها، ثم حيرة ودهشة بشأن الأسماء الفائزة.. وهكذا دواليك! أما نوبل في الطب والكيمياء والفيزياء، فلا أحد يهتم بها كثيرًا. تمر مرور الكرام على إعلامنا. لن تجد تغطيات موسعة تلقي الضوء أكثر على شخصيات الفائزين ومسيراتهم العلمية وطبيعة الإنجازات التي استحقوا عنها الجائزة على شدة أهميتها.
هذا العام مثلًا، نال 6 علماء جوائز نوبل في العلوم عن إنجازات يمكن أن تجعل حياة البشرية أفضل، بالتحكم في نشاط الخلايا العصبية بالضوء واكتشافات في التخليق الكيميائي تسهم في صناعة جزيئات دقيقة كالعقاقير ورصد جسيمات تساعد في فهم أفضل للكون. ومع ذلك، لم يحظوا من إعلامنا، بأكثر من أخبار مقتضبة.
مرة وحيدة كان الاهتمام كاسحًا في عام 1999 عندما نال أحمد زويل نوبل في الكيمياء. فجر الفوز حينها حماس الإعلام بشأن العلم. لكن لم يستمر الأمر طويلًا. تحول زويل في تغطيات الصحافة إلى نجم celebrity، بدلًا من استثمار مكانته العلمية لزيادة اهتمام المجتمع بالعلم والعلماء ومنجزاتهم.
ثم جاءت فرصة أخرى مع جائحة كورونا. اكتشفت حينها الصحافة مجددًا أهمية العلم وأهله. لكن جذوة المتابعة خبت تدريجيًا. وها هو الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة جديدة، إلا أن الإعلام حائر ومرتبك، لا يدري كيف يتصرف في مواجهة ثورة تقنية ربما تكون الأهم في تاريخ البشرية.
العلم إذن مظلوم بحق مقارنة بقضايا السياسة والاقتصاد والفن والرياضة. بل ربما كان أقل حظًا من باب ”حظك اليوم“ في الحضور اليومي بالصحافة.
كل هذا التجاهل غير مبرر على الإطلاق في دولة بحجم مصر فيها نحو 130 جامعة وأكثر من 140 ألف باحث بينهم 1106 باحثين ضمن قائمة أفضل 2% من علماء العالم، فضلًا عن تبوؤها المرتبة 25عالميًا من حيث عدد الأبحاث المستشهد بها في عام 2024، بحسب دكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق.
وهو غير مبرر أيضًا لأننا في أشد الحاجة إلى العلم، لعله يساعدنا في مواجهة التحديات، من نقص المياه وتآكل الدلتا والتصحر إلى تغير المناخ وانتشار بعض الأمراض وضعف الموارد الاقتصادية.
لذلك كله، يجب أن تمنح الصحافة العلماء مساحة أكبر. يتعين عليها فتح الباب أمام الباحثين والخبراء في كل مجال لطرح وجهات نظرهم عبر صفحات الرأي أو برامج متخصصة أو ضمن التقارير والتحقيقات اليومية، أو حتى في ملاحق أسبوعية خاصة.
على الأقل نريد أن نعرف أبرز ما يتوصل إليه الباحثون في رسائل الماجستير والدكتوراه الذين بلغ عددهم خلال 10 سنوات نحو مليون شخص، مع الحاصلين على الدبلومات العليا، حسب تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
غير أن الأمر في الواقع دونه تحديات كبيرة، أولها أن يؤمن الإعلام بأن العلم أهم من الترند، وأن يقوم بتأهيل الكوادر الصحفية القادرة على تقديم تغطيات نوعية، تتجاوز الأخبار الروتينية عن الثانوية العامة وتعيينات الجامعات.
والأهم هو العمل الجاد على إعادة الاعتبار للعلم والعلماء والمعلمين، لتغيير الصور النمطية المهينة التي ترسخت عبر عقود في عقول جمهور عريض ما زال يضحك كثيرًا عندما يسمع القول المأثور لبهجت الأباصيري ”العلم لا يكيل بالباذنجان“.
ahmedmostafaalomla@gmail.com
