الميكروفون للجميع.. الوجه الخفي للجمهور
لم تعد الشهرة نعمة ولا السلطة حصنًا منيعًا، كلاهما قد يتحول إلى نقمة ولعنة تطارد صاحبها، في غمضة عين، صباح مساء أمام أعين الناس. والسر: السوشيال ميديا. منحت وسائل القصف الجماعي -عفوًاـ أقصد التواصل الاجتماعي، الجماهير سلاحًا خطيرًا، بدون قصد. يساء استخدامه أحيانًا.
لم يتخيل محمد عبدالوهاب ولا عبدالحليم حافظ أو شادية ونجاة وفايزة وفايدة أن صوت الجماهير، قد يصبح صاخبًا وساخطًا ونشازًا، لهذا الحد، بعد 66 عامًا من أغنيتهم الشهيرة.
الآن تعيش هذه الجماهير لحظتها التاريخية، ”ريمونتادا“ حقيقية. ظلت منذ فجر البشرية كيانًا مجردًا أو متخيلًا. محبوسًا في الظلام. يتحدثون باسمه، يغنون لأجله، يناضلون تحت رايته، يحكون عنه الحكايات. لكنه ظل دائما بلا صوت حقيقي.
فالمسرح والأضواء دائمًا حق حصري للقادة وأصحاب الفكر والرأي والقامات والشخصيات العامة والمشاهير. هم يقررون ويتكلمون من أبراجهم العاجية العالية. والبقية مستمعون، لا يملكون حق الرد أو التعقيب. كانت فرصة ظهور شخص عادي في التلفزيون أو نشر رسالته في بريد القراء، ضئيلة جدًا.
بفضل التكنولوجيا، انقلبت الآية. أصبح الجمهور جزء من العرض. بل سرق الأضواء من الأبطال. ومثلما أتاحت الكتب لمؤلفيها نشر الأفكار والقصص بين الناس، وساعدت الصحف أصحاب الرأي في التعبير عن الناس، ها هي وسائل التواصل الحديثة تمنح عموم الناس للمرة الأولى، فرصة التعبير الجماعي عن نفسها، لتحكي سرديتها، بسرعة وسهولة، من دون وسيط تقليدي.
صار للرأي العام ميكرفون، وأي ميكروفون؟! خرج المارد من القمقم. لكن هل جاءت النتيجة على هوى أولئك الذين ألبسوا الجمهور من قبل مسوح الرهبان ودروع الثوار ووضعوا على رأسه أكاليل الغار، وقالوا فيه الأشعار؟!
للأسف، كشفت التجربة جانبًا مظلمًا. تبين للجميع أن الجمهور الذين يسمونه أحيانًا، الرأي العام، يمكن أن يتحول كله -أو بعضه- إلى وحش هائل، يلتهم صاحبه.
نشهد ذلك في مصر منذ سنوات، في سياق حالة استقطاب حاد وضغوط اقتصادية صعبة يعيشها أكثر من مئة مليون نسمة، أكثر من نصفهم يستخدمون فيسبوك وإكس. لم يعد هناك حصانة لأحد. كبيرًا أو صغيرًا، صاحب شهرة أو سلطة سياسية أو معنوية أو مالية. أمام الشاشات الكل مستباح. لا أحد محمي بالكامل.
اضطرت صحف وكتاب كثر كانوا يدافعون عن حق الناس في التعبير عن أنفسهم، إلى إغلاق نافذة التعليقات على منصاتهم أو صفحاتهم، من فرط الإساءات والبذاءات. صار بعض الجمهور قاضيًا وجلادًا. حول ضعفه إلى ما يشبه الاستبداد. طاغية جبروته زاد. وهنا تكمن خطورة ما جرى.
«إحنا مش عايشين وسط بني آدمين، إحنا عايشين وسط لجنة تحكيم.»، قالها الفنان كريم فهمي بعدما لسعته نار الجمهور.
تستطيع الآن حشود هائلة ملاحقة ومطاردة أي شخص، عبر المنصات لتحويل حياته -إن كان مازال على قيد الحياة- إلى جحيم، أو موته إلى مناسبة للتنكيل به، عن حق أو باطل. لذلك صارت للشهرة ضريبة، سيدفعها صاحبها عاجلًا أم آجلًا.
فالدفاتر محفوظة، والجمهور لا ينسى، ولا يستطيع أحد أن يفلت بتصريحات أو سلوكيات أو سياسات. لكن هل الجمهور كالزبون، دائما على الحق؟! بالتأكيد لا. هناك أحيانًا أهواء ولجان وحسابات وهمية وترندات وخوارزميات وتصفية للحسابات ومجتمع غضبان لأسباب كثيرة.. ومع ذلك يبقى للرأي العام، اعتبار وحسبان.
طيب هل الأمر يتعلق بمستوى التقدم أو درجاتك على مؤشرات التنمية أو بمكانك على الخريطة؟! أيضًا لا. فالمشكلة ليست مصرية فقط.. هي في العالم كله. في بريطانيا مثلًا، تتصاعد المخاوف من خطورة حملات الإساءة التي تستهدف السياسيين عبر الإنترنت، باعتبارها تهديدًا حقيقيًا للديمقراطية.
إذ كيف يمكن للمترشحين للمناصب العامة أو السياسيين، أداء دورهم دون خوف من الترهيب، كما قال ذات مرة لورد جوناثان إيفانز الرئيس السابق للمخابرات الداخلية ولجنة المعايير في الحياة العامة بالمملكة المتحدة. فالإساءات عبر الإنترنت قد تجبر البعض على الابتعاد عن الحياة العامة. هنا يصبح من الضروري، التفريق بين ما يمكن اعتباره رأيًا عامًا وبين الغوغائية الرقمية.
والأمل، كل الأمل، أن يهدأ الجمهور بعدما يشفي غليله من النخب التي غيبته في الأسر أحقابًا مديدة، ليسود إحساس أعلى بالمسؤولية. حينئذ يمكن أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي بضوابط فعالة إلى ساحات للنقاش الإيجابي من دون تنمر. فلا أحد يريد سحب الميكروفون من الجمهور ولا أحد -غايته الصالح العام- يرضى بمثل هذه الفوضى.
ahmedmostafaalomla@gmail.com
