الأقصى.. حتى لا يتكرر سيناريو الحرم الإبراهيمي؟!
وسط دخان المعارك والاضطرابات التي أشعلها نتنياهو في المنطقة، تواصل إسرائيل مخططها لإعادة صياغة وضع جديد بالمسجد الأقصى، في غمرة انشغال المنطقة والعالم بملاحقة التطورات الجارية. فبينما تتصاعد الحروب والصراعات الإقليمية وتتسع الانقسامات السياسية والمذهبية بين المسلمين، يكاد يضيع منهم ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين ومسرى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وسط ما يشبه الصمت والشلل والتجاهل من جانب الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي.
استغلت إسرائيل حرب الإبادة التي شنتها على غزة ثم حربها في لبنان وإيران، لفرض واقع جديد في الأقصى الشريف بألاعيب جربتها من قبل بنجاح في حرم آخر للمسلمين.. فلماذا إذن لا تكرر التجربة مرة أخرى والظروف مواتية، إقليميًا ودوليًا، وأقصى وأقسى ردود الفعل المتوقعة، لن تتجاوز الإدانة والشجب ثم التزام الصمت.
ولمن يتشكك في إمكانية حدوث ذلك، فلينظر إلى ما جرى في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة. نفذت إسرائيل هناك ما يمكن اعتباره بروفة نموذجية لما تفعله الآن في القدس الشريف.
كانت البداية مذبحة مروعة ارتكبها في عام 1994 متطرف يهودي، وراح ضحيتها 29 شهيدا فلسطينيا داخل المسجد.. استغلت إسرائيل الحادث لتقسيم الحرم زمانيًا ومكانيًا بين المسلمين واليهود بذريعة حماية الأرواح عبر إجراءات استثنائية، ترتب عليها:
تقييد وصول المصلين المسلمين للمسجد بالتحكم في الحواجز والبوابات وعمليات الإغلاق، وتقسيم أوقات وأماكن الصلاة بين المسلمين واليهود وإغلاق المسجد في الأعياد اليهودية، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء من البلدية الفلسطينية للإدارة الإسرائيلية. ثم جرى تحويل الأمر الواقع إلى وضع قانوني وإداري جديد.
أي أن الوصفة كما تكشفها تجربة الحرم الإبراهيمي سهلة وجاهزة يمكن تكرارها في القدس: أزمة كبرى (بدل مجزرة مروعة)، تعقبها إجراءات استثنائية لتقييد دخول المسلمين وصلاتهم وتقليص دور السلطات الدينية الإسلامية، وإعادة تنظيم الموقع أمنيًا وإداريًا بما يمنح اليهود مساحات أكبر وحضور أوسع. وبمرور الوقت تعتاد جميع الأطراف التقسيم ويتحول الاستثناء إلى قاعدة ليصبح أمرًا واقعًا لا يمكن التفاوض بشأنه بل يصبح الاعتراف به هو الخيار الوحيد المطروح.
شيء من هذا القبيل تمارسه إسرائيل في المسجد الأقصى الآن على الرغم مما يعرف باسم الـ”Status Quo“. هذا الوضع القائم عبارة عن تفاهمات دولية غير مكتوبة مستقرة منذ سنين طويلة، تنص على حق المسلمين حصريًا بالصلاة داخل الحرم الشريف، بينما يسمح لغيرهم فقط بالزيارة بدون أداء شعائر دينية.
لكن خلال العام الحالي فقط، أغلقت إسرائيل المسجد أمام المصلين نحو 40 يومًا من أواخر فبراير حتى أبريل. فحرمت المسلمين من أداء الشعائر خلال معظم شهر رمضان وعيد الفطر، وتوسعت في منع فئات من الفلسطينيين من الدخول، وتحديد أعمار المصلين، وتكثيف عمليات التفتيش، وتقليص دور الأوقاف باستهداف الموظفين وحراس المسجد بأوامر الإبعاد والاعتداءات.
في المقابل تواصلت اقتحامات اليهود المتطرفين للمسجد لأداء طقوسهم بحراسة الشرطة خاصة خلال الأعياد. وقد فعلها وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير مرتين في يوليو وأغسطس الماضيين، ثم بدأت تظهر مطالبات بفتح المسجد لليهود يوم السبت، وتحويل ساحة المسجد الأقصى إلى مركز للحوار بين الأديان.
مع استمرار هذه الممارسات بوتيرة متصاعدة، قد يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويترسخ وضع جديد تفرضه إسرائيل تدريجيًا، على الرغم من كل أكاذيبها حول عدم تغيير الوضع القائم. لفت الأمر انتباه صحيفة أميركية بحجم كريستيان ساينس مونيتور، فحذرت قبل أيام من خطورة ما يجري قائلة إن تحول «الصلاة اليهودية العلنية في الحرم المقدس من استثناء نادر إلى أمر واقع يلتهم الهشاشة المتبقية لهذا التوازن التاريخي».
فمتى إذن يستفيق العالم الإسلامي من سباته قبل أن تتكرر تجربة الحرم الإبراهيمي في الحرم القدسي الشريف، بإجراءات إسرائيلية تفرض تقسيمًا زمانيًا ومكانيًا يقصي المسلمين من أقصاهم؟.
ahmedmostafaalomla@gmail.com
