كل هذه المقاهي.. من يحاسب على المشاريب؟!
كلما سرت في شوارع القاهرة في منتصف النهار، خاصة بوسط البلد، أسأل نفسي: كم ساعة يا ترى يضيعها ملايين الناس على المقاهي كل يوم خلال أوقات العمل الطبيعية أو خارجها؟! هل جلهم عاملون عن بعد أم عاطلون بدون ذنب؟ ولماذا لا يكاد المقهى يخلو من رواده على مدار الساعة، ومن يحاسب على المشاريب في خاتمة المطاف: الجالسون على قارعة الطريق بالساعات أم المجتمع كله واقتصاد البلد؟!
أصبحت المقاهي معلمًا ثابتًا في الشوارع، انتشارها خلال السنوات الأخيرة مذهل، ليس أكثر منها سوى زبائنها، شبان صغار ورجال في منتصف العمر وشيوخ ونساء (زاد حضورهن بعد ثورة يناير)، لا يغادر معظمهم المقهى طوال ساعات النهار، صارت المقاهي للجميع. ومن قبل كانت شبه حكر على من خط الشيب مفرقه، خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا.
تضاعف استهلاك البن في مصر من 36 ألف طن في عام 2017 إلى 70 ألف طن في عام 2021، بحسب غرفة القاهرة التجارية، ربما يشير إلى القفزة الكبيرة في عدد المقاهي.
تحول المقهى بالنسبة لملايين المصريين إلى غرفة معيشة. امتداد طبيعي للمنزل أو جزء أصيل منه، لا حرج ولا ضرر في البقاء بين أركانه ساعات طويلة. فنحن أبناء الطريق ثم إن البيوت ضيقة، وأهلها فوق طاقة احتمالها.
لكن وسط سحب الدخان المتصاعد من الشيشة ورائحة البن التي تفوح في الأركان وضجيج نرد الطاولة وصخب نكات الأصدقاء، يبدو المقهى بحق كما لو كان خلية حية صغيرة تعكس أحوال مصر بصورة أو بأخرى.
إنه ”مرآة حقيقية للتحولات والتفاعلات الاجتماعية والسياسية والثقافية“، كما تقول دراسة حديثة أصدرها في مايو الماضي مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء. وأوضح ما تخبرنا به تلك المرآة أن أنماط العمل قد تغيرت.
فالعمل عن بعد أو بدوام جزئي صار خيارًا لا مفر منه لكثيرين. بالتالي يمكن بثمن فنجان قهوة تحويل المقهى إلى مكتب. هذا هو الخيار الأفضل لمن يسمونهم الرقميون الرُّحَّل. وأعدادهم لا يستهان بها. (في بعض المدن البريطانية والأمريكية تضيق عليهم المقاهي لتطفيشهم). لكن هناك أيضا العاطلون عن بعد وبلا ذنب. هؤلاء المقهى بالنسبة إليهم منصة للبحث عن عمل أو فرصة لانتظار الأمل. وللأسف أعدادهم كبيرة.
أيضا كشفت المقاهي مبكرًا بطريقتها عن ظهور أهل إيجيبت، مع انتشار الكافيهات (بديل المقهى) في المراكز التجارية والأحياء الراقية، وكيف صارت تمثل منطقة آمنة للنساء تشعر فيها المرأة بالراحة دون التعرض للوصم الاجتماعي أو التحرش، حسبما تقول الدكتورة هند السيد في الدراسة نفسها.
غير أن من أهم ما تعكسه ظاهرة زيادة عدد المقاهي هو غياب الفضاءات العامة التي يمكن أن يلتقي فيها الناس للتواصل الاجتماعي بعيدًا عن مكاتب العمل والبيوت. فالنوادي محدودة واشتراكاتها فوق قدرة الملايين، والحدائق نادرة أو مغلقة أو تحولت إلى أكشاك، وأماكن الفسحة عمومًا خيال علمي لكثيرين. وهكذا ليس ثمة مكان آمن ومريح يلتقي فيه الأصدقاء والمعارف بأريحية سوى المقهى الذي يسميه عالم الاجتماع الأمريكي راي أولدنبُرغ (المكان الثالث الرائع).
إذن المقاهي النابضة بالحياة ليست مجرد أماكن لقتل الوقت. بل هي، فضاءات عامة يتبادل فيها الناس الأفكار والآراء والنقاشات الحرة، بما يسهم في تشكيل الرأي العام، بحرية من دون ضغوط. وهي بهذا المعنى ظلت تؤدي ما يشبه دور السوشيال ميديا، منذ ظهورها أول مرة في الشرق الأوسط قبل قرون. والآن قد تكون مكانًا للعمل أو ملاذًا للعاطلين أو مساحة للقاء الأصدقاء، لكن يبقى السؤال الأول مفتوحًا: من يحاسب على المشاريب؟!
هل يدفع الثمن وحدهم الباحثون عن لقمة العيش أو نسمة هواء أم المدينة التي لم تتح لهم فرصة عمل لائقة أو متنفسًا للحياة غير الرصيف.. أم مصر كلها، التي تبدو الآن وكأنها تنتظر على المقهى، شروق غد تتطلع إليه بقلق وأمل وترقب؟!
ahmedmostafaalomla@gmail.com
