حين يغلق الإنترنت أبوابه.. خطر جديد لاستخدام الذكاء الاصطناعي
يعلم متابع هذه البوابة الالكترونية أني أحذر وبصوت قلق من أخطار توغل الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليومية. بدأنا بالمخاوف الفلسفية من الانحياز ضد العمالة، حين تُستخدم التكنولوجيا لاستبدال العامل بدلًا من تعزيز قدراته، فتتسع الفجوة بين من يملك الآلة ومن يؤجر وقته ومهاراته. كذلك التوزيع غير العادل للذكاء الاصطناعي الذي يؤدى إلى الانزلاق نحو أتساع الفجوة الرقمية ووصول الحكم إلى الأقلية الثرية (الاوليجاركية).
ويحدث ذلك الآن بتجمع البيانات والخوارزميات والقدرة الحاسوبية في أيدي عدد قليل من الشركات العملاقة، وأصحاب التريليونات ( ايلون ماسك ومن على شاكلته) حيث تتركز معهم القوة الاقتصادية والنفوذ.
هذا كما تطرح عملية إنشاء المزيد من مراكز البيانات الضخمة مفارقة أو تناقض بين وعميق، حيث تتطلب استثمارات هائلة، ولكن فرص العمل الدائمة والقليلة المعروضة في هذه المراكز قد لا تتناسب مع حجم الأموال المنفقة. هذا ويمكن أن يضاف إلى ذلك احتمالات الفقاعة الاستثمارية الحالية في سوق الذكاء الاصطناعي، وما قد يترتب على انحسار أو تغير التوقعات المتفائلة فيه من خسائر واضطرابات في الأسواق التكنولوجية خاصة والأسواق الصناعية عامة.
هذا ولابد وان يكون القارئ قد سمع عن استهلاك الكهرباء الضخم المطلوب لتشغيل الخوادم وتبريدها وأثر ذلك على أسعار الكهرباء والطاقة بأنواعها. هذه المخاوف هي خلفية النقاش، ويضاف لها ما ذكرناه من مخاطر عدم تحرى الصدق والهلوسة التي تعترى أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها والتي اسهبنا في شرحها من قبل..
والاسبوع الماضي تحدثنا عن "العفن الدماغي" والاثار المترتبة على التغول في حياتنا اليومية لنصبح عبيدا للألة لا أسيادا لها. ولكن التطور الأخير الذي أركز عليه اليوم جعل أمن الإنترنت نفسه في صدارة القلق.
خلال الأسبوع الماضي، وتحديدًا يومي 21 و22 أكتوبر 2026، خرجت مواقع حكومية في دول أوروبية وغيرها من الخدمة، عقب الكشف عن ثغرات خطيرة في لغة البرمجة PHP، المستخدمة على نطاق واسع في تشغيل هذه المواقع. ومن ثم سارعت مؤسسات إلى تحديث أنظمتها أو إيقاف الخدمات المعرّضة للخطر بصورة مؤقتة.
وهنا يلزم أن أكون دقيقا: لم تثبت التقارير أن ذكاءً اصطناعيًا مستقلًا شنّ هجومًا ناجحًا على جميع هذه المواقع وأوقفها. ولكن الثابت أن الذكاء الاصطناعي ساعد على اكتشاف ثغرات كان يمكن أن يتم استغلالها لإحداث اضرار جسيمة وعظيمة بهذه المواقع، وأن جهات حكومية عطّلت هذه المواقع احترازيًا خشية استغلالها. والفارق مهم بين موقع أسقطه مهاجم وموقع أغلقه صاحبه لمنع الاختراق؛ لكن الحالتين تكشفان عن الخطورة القائمة وهشاشة استمرار الخدمة.
ولم يكن الخطر افتراضيًا تمامًا؛ فقد أعلنت أمازون رصد محاولة لاستغلال الثغرات ضد نظام تمويهي تابع لها يوم 17 أكتوبر، قبل الإعلان العام عنها بأربعة أيام، مع بقاء هوية المهاجم وكيفية حصوله على المعلومات غير معلومتين. وهذه الوقائع الحقيقية، لا مجرد المخاوف المستقبلية، تفسر التحذير الحالي. الذكاء الاصطناعي أصبح يستخدم بواسطة الهاكرز وأهل الشر في اكتشاف الثغرات القائمة في الشبكات الحالية وبنجاح غير مسبوق (البعض يرجح انغماس هاكرز إيرانيين ويمنيين في مثل هذه الاعمال).
لقد وصف المحلل التكنولوجي "عظيم أزهر" في مدونته الشهيرة "إكسبونينشال فيو" هذا التطور بأنه "لحظة ووهان للإنترنت". طبعا (ووهان) هي المدينة الصينية التي بدأ فيها تسرب فيروس "كوفيد19" وهو تشبيه بظهور خطر قد تتسع آثاره قبل إدراك حجمه.
ورغم أن ما حدث لم يكن حكمًا بحتمية انهيار الشبكة. إلا أن الجديد هو تسارع القدرة على كشف نقاط ضعف ظلت مختبئة في البرمجيات لسنوات طويلة ولم يكن يعلم بها أي فرد، إلا أن استخدام الذكاء الاصطناعي الذي له قدرة غير عادية على كشف هذه الثغرات وبسهولة وفى وقت قصير للغاية جعلت وضع المدافعين عن الشبكات حرج للغاية وهم الآن أمام سباق شديد الصعوبة.
ولكن ماذا يعني هذا لعملنا على الإنترنت؟ فلطالما تعودنا أن نفتح البريد، ونرسل الملفات، ونحوّل الأموال، ونوقّع العقود، ونتعاون مع أشخاص لم نلتقهم. وكل ذلك يقوم على افتراض ثابت وموثوق به: أن الاتصال بالشبكات مفتوح وسهل، وأن مخاطره معروفه وقابلة للإدارة.
لكن تسارع اكتشاف الثغرات الان بواسطة الذكاء الاصطناعي يقوض هذا الافتراض. بل إن الإعلان عن إصلاح تقوم به المؤسسات لحماية نفسها وعملائها، يمكن أن ينبّه المهاجمين إلى مواضع الضعف نفسها ويتم استخدامها ضد من يتأخرون في الإصلاح والتحديث.
أحد السيناريوهات التقنية المطروحة لتفادى هذه الثغرات الآن هو الانتقال إلى نطاقات رقمية أكثر انغلاقًا، لا يدخلها المستخدم إلا بعد التحقق من هويته وصلاحياته. بطريقة قريبه للنماذج القديمة مثل شبكة AOL ونظام. SABRE هذا معناه أن نعود الى البيئات محددة العضوية بدلًا من فضاء مفتوح للجميع.
ومن ثم يمكن تشبيه هذا الانتقال بمغادرة الشارع العام إلى مجتمعات رقمية ذات أسوار وبوابات وحراس (الكومباوندات الرقمية). بالضرورة سيعزز هذا الحماية والامان، لكنه يجعل التعاون أبطأ وأكثر كلفة، خصوصًا بين المؤسسات والمتعاملين معها من خارجها. فالمشروع الصغير والمستقل والباحث يستفيدون من القدرة على التواصل خارج حدود المؤسسات الكبرى؛ وكل بوابة إضافية ترفع تكلفة مشاركتهم.
ما سبق يمكن أن يؤدى الي الارتداد التكنولوجي للوراء وفقدان الزيادة الإنتاجية المأمولة.. إذا إتسع هذا التحول، فقد ندفع ثمن الأمان في صورة موافقات أكثر، وفحوص متكررة، وقيود على مشاركة الملفات واستخدام الأدوات. وما يبدو دقائق قليلة عند كل بوابة قد يتراكم إلى عبء على التعاون والإنتاجية. وقد تضطر المؤسسات إلى تحديث أنظمة قديمة، وتشغيل وسائل حماية إضافية، وتحمّل فترات انتقال وتعطل. وقد أظهر الأسبوع الماضي أن حماية النظام قد تقتضي التضحية المؤقتة بإتاحة الخدمة!
وتتصل هذه الأعباء بمخاوف الطاقة والاستثمار التي بدأنا بها: فالموارد المخصصة للدفاع والإصلاح ليست مجانية. ومن ثم الاستخدام سيكون أكثر تكلفة. والسؤال المنطقي الان هو: كم من مكاسب الإنتاجية المنتظرة سننفقه لحماية البنية التي تنتجها؟
* أستاذ الاقتصاد الفخري بجامعة ولاية أوهايو وجامعة النيل
