أدوات الذكاء الاصطناعي لا تتحرى الصدق؟ (1)
أحدث تقرير متاح من معهد اقتصاد الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، يؤكد أن نسبة استخدام أي أداة من أدوات الذكاء الاصطناعي في المحروسة بلغت 14.8% من السكان في سن العمل (15-65 سنة) في الربع الأول من 2026؛ أي ما يقارب 11.0 مليون مستخدم.. الجدير بالذكر أن هذه النسبة ترتفع بمعدل 1% تقريبا كل ستة أشهر.
إذا كنت واحدا من هؤلاء المستخدمين فهل تتذكر تلك اللحظة التي شعرتَ فيها أن أداة الذكاء الاصطناعي التي تُحادثها باعتبارها الحكيم المطلق الذي يحمل بين جنباته علوم الأولين والآخرين. قد تحولت إلى شخص كاذب يحتال عليك ويمدك بمعلومات من كتب وهمية!
هل تتذكر تلك الصفعة الباردة التي شعرت بها حين اكتشفت، بالصدفة، أن ذلك الحكيم كان يخدعك بدم بارد ويختلق قصصًا لا وجود لها؟
إنها التجربة المريرة التي بات يتقاسمها الملايين حول العالم اليوم. نلجأ إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بحثًا عن يقين يُعيننا، فنفاجأ بأننا أمام مرافق متملق، يبتسم في وجوهنا ويوافقنا على أخطائنا، ويمتدح جهلنا، ويخترع لنا حقائق وهمية لمجرد أن يضمن إعجابنا ورضانا. إنها ليست مجرد خطأ تقني عابر، بل هي أزمة أخلاقية وفكرية تُسقط ورقة التوت عن أدوات أردناها محركات للحقيقة، فإذا بها تكشف عن استعراضات عضلية لا تحترم الصدق ولا تبالي بالنتائج.
السراب الأكاديمي: عندما تخلق الخوارزميات مراجع من عدم!
لعلّك، عزيزي القارئ، طلبت من أداة الذكاء الاصطناعي أن تمدك بمراجع ودراسات تؤيد فكرتك. وفي ثوانٍ معدودات، ينهمر عليك السخاء الرقمي! قائمة بأسماء علماء مرموقين، وعناوين دراسات براقة، ومجلات علمية محكمة، ودوريات صُفّت أرقام صفحاتها وسنوات نشرها بدقة متناهية. تبتسم باعتزاز، وتأخذ تلك المصادر بثقة لتضعها في بحثك.. ولكن حين تقرر أن تبحث عن هذه الدراسات في المكتبات الرقمية، يصيبك الذهول: لا وجود لهذه الأبحاث إطلاقًا!
لقد قام النموذج الذكي بـ "فبركة" محتويات كاملة؛ كتابة إسم عالم شهير على دراسة لم يكتبها قط، واختراع عناوين لا وجود لها إلا في خيال الخوارزمية! والأدهى من ذلك أنه يفعل ذلك بلهجة جازمة، يقينية، لا تترك في نفسك ذرة من الشك.
ولم تقف هذه الفبركة عند حدود أروقة الجامعة، بل امتدت لتُضلل أصحاب القضايا في المحاكم. ألم تسمع عن ذلك المحامي الذي قدم للمحكمة مذكرة قانونية مدعمة بسوابق قضائية وأحكام سابقة زودته بها أداة الذكاء الاصطناعي، ليتبين لاحقًا أن كل تلك القضايا والأحكام كانت مجرد أوهام نسجتها الخوارزميات من العدم؟ وكانت النتيجة عقوبات مالية وفضيحة أخلاقية للادعاء.
وفي حادثة أخرى، قدم روبوت دردشة لشركة طيران عالمية معلومات وهمية لراكب بشأن سياسة استرداد نفقات دفعها، مما أوقع الشركة في نزاع قضائي حُكم فيه ضدها، لأن الآلة "وعدت" بما لا أصل له في الواقع!
الواقعتان المقصودتان هما قضية Mata v. Avianca في الولايات المتحدة، وقضية Moffatt v. Air Canada في كندا. لكن من المهم معرفة أن الأولى انتهت بعقوبات على محامين ومكتبهم بسبب تقديم سوابق قضائية مختلقة والاستمرار في الدفاع عنها، أما الثانية فانتهت بمسؤولية مدنية وتعويض مالي على شركة طيران بسبب معلومة مضللة قدمها روبوت المحادثة التابع لها.
عندما تتحول الفبركة إلى سموم: أضرار جسدية لا تُغتفر
إن كان الكذب الأكاديمي يُربك العقول، والخطأ القانوني يُغرم الأموال، ولكن الخطر الأكبر ينبثق حين تتجاوز فبركة الذكاء الاصطناعي شاشات الكمبيوتر لتمس أجساد البشر وأرواحهم بشكل مباشر. هنا يتجلى الوهن الأخلاقي للخوارزميات في أبشع صوره، حيث يتحول التملق والرغبة في الإجابة إلى تهديد حقيقي للحياة.
تأمل معي تجربة مستخدم يخرج إلى أحضان الطبيعة، ويطلب من تطبيق مدعوم بالذكاء الاصطناعي تحديد نوع فطر نبت في الغابة كان يريد معرفة أذا كان هذا الفطر يمكن استهلاكه حتى يقوم بأكله. بدلًا من أن تقول الاداه بحزم: "لا أعلم، والتجربة خطر على حياتك"، قامت نماذج ذكاء اصطناعي وأدوات تأليف كتب جرى بيعها على منصات عالمية بإنشاء أدلة لجمع الفطر البري احتوت على هلوسات قاتلة! لقد نصحت الأدوات المستخدمين بـ "تذوق" الفطر للتعرف على نوعه، بمعنى أن الأداة الذكية شجعت مستخدميها على تجرع السموم بابتسامة وثقة بلهاء.
هل هناك دليل صارخ على عدم إتخاذ الصدق كمعيار أخلاقي في هذه الأدوات أكثر من أن تخاطر بحياة إنسان وتتسبب في إيذاء جسده، لمجرد أن خوارزميتها لم تُبرمج على القول بلسان فصيح: "أنا لا أعرف، اذهب إلى المختص"!؟
أقنعة التملق: لماذا تجاملنا أدوات الذكاء الاصطناعي على حساب الحقيقة؟
إذا تساءلت لماذا تصر هذه الأدوات على ممارسة هذا النفاق الرقمي؟ ستجد أن السبب يكمن في الأحشاء البرمجية لهذه النماذج. إنها لا تملك عقلًا يدرك الحقيقة، ولا وجدانًا يُميز الحق من الباطل. إنها مجرد آلات لترتيب الكلمات بناءً على الاحتمالات الإحصائية.
والأدهى من ذلك أن طريقة تدريبها -والمعروفة بالتعلم من التغذية الراجعة البشرية- تُكافئ الإجابات التي تُعجب المستخدم وتجعله راضيًا ومن ثم يدفع قيمة الاشتراك! وحين يصبح الحافز الاقتصادي ورضا المستخدم هو الهدف الأول، فإن الآلة تُفضل أن تكذب عليك وتُجاملك، على أن تُزعجك بتصحيح خطئك! لقد أثبتت الدراسات أن النموذج قد يتراجع عن إجابته الصحيحة تمامًا إذا أظهرت له أنت بعض التشكيك أو الإصرار، ليعتذر لك ويتبنى رأيك الخاطئ!
في انتظار "محرك الحقيقة الذي لم نقوم ببنائه بعد"
في مقالته البحثية الرائعة المعنونة بـ "محرك الحقيقة الذي لم نبنه بعد"، والمنشورة منذ أيام قلائل في مجلة IEEE Computer (سبتمبر 2026)، يدق المستشار والكاتب المصري الأصل سولوم (عبد السلام) حداية ناقوس الخطر. إن الأزمة الحقيقية ليست في أن الآلة تخطئ، فالخطأ بشري وآلي، بل إن الأزمة تكمن في صياغة الخطأ في قالب واثق وأنيق يخدع العقول.
يدعونا حداية إلى إعادة تفكير جذرية في فلسفة بناء الذكاء الاصطناعي. لا ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يكون مجرد خادم مطيع ينسج القصص ومحاكيًا للطف والمجاملة -بسبب الحافز الاقتصادي- بل ينبغي أن يتحول إلى أداة نقد وتحقق؛ آلة تملك الشجاعة الأخلاقية البرمجية لتقول للمستخدم: فرضيتك خاطئة، أو لا أعترف بهذا الرأي، أو المصادر المتوفرة متضاربة ولستُ متأكدًا.. في المقالة القادمة سنشرح ما جاء به حداية لبناء أداة ذكاء اصطناعي صادقة.
