قراءة في مقال الايكونوميست الأخير
التوأمة في المصير والتنافر في المسار بين السعودية والإمارات
في حلقة من برنامج "ذي إيكونوميست إنسايدر" بعنوان “التنافس الذي يدمّر منطقة”، والذى نُشر منذ ثلاثة أيام وبالتحديد في 21 أكتوبر 2026، ناقش "روبرت جيست" مع "إدوارد كار" تداعيات التنافس السعودي الإماراتي المتصاعد وكيف يسهم هذا الانقسام في إطالة الحروب وتعميقها في السودان واليمن وغيرهما.
ورغم أن المقال يقرأ المشهد من منظور غربي يراقب تحولات الشرق الأوسط، إلا أنه يلامس وترًا حساسًا في الوجدان العربي؛ كيف لشقيقين كبيرين، تجمعها المصائر المشتركة والتهديدات المتشابهة، أن ينزلقا من فضاء التحالف التاريخي إلى لعبة المحصلة الصفرية؟
إن قراءة مقال الايكونوميست لا تستدعي الانحياز لطرف ضد آخر، بل تستدعي وقفة تأمل استراتيجية. فالرياض وأبوظبي ليستا مجرد عاصمتين لدولتين شقيقتين، بل هما رافدا الأمن والاقتصاد في شبه الجزيرة العربية. وكلاهما يخوض اليوم معارك وجودية من أجل المستقبل..
فمن ناحية نرى رؤية 2030 السعودية التي تسعى لتحويل المملكة إلى قوة صناعية وسياحية ومالية عالمية، ومن ناحية أخرى نرى النموذج الإماراتي الناجح الذي جعل من دبي وأبوظبي قبلة للتجارة والابتكار، ولعل مقال الايكونوميست يُعزى الخلاف إلى أسباب اقتصادية (التنافس حول المركز الإقليمي للمال والتجارة والذكاء الاصطناعي)، وأيديولوجية (موقف القيادة الإماراتية الصارم تجاه الإسلاميين).
كذلك يبرز المقال المخاوف الخليجية من انسحاب واشنطن التدريجي من الحروب الأبدية في المنطقة، هذا الفراغ لم يدفع القوتين الخليجيتين الأكبر لإنشاء بنية أمنية مشتركة، بل دفعهما لاتباع سياسات خارجية أحادية هجومية لتأمين المصالح الذاتية، مما أدى إلى تمدد استراتيجي مفرط (Overstretch) لا يتناسب مع قدراتهم العسكرية المباشرة، ويجعلهم أكثرعرضة للتهديدات الإيرانية والحوثية ومطمعا سهلا للقوى الاستعمارية في المنطقة.
وبينما يرى الكثير أن الطموح هنا مشروع، والسعي للتنويع الاقتصادي ضرورة حتمية، لكن المأساة تبدأ حين يتم أعتبار كل نجاح للجار خسارة للوطن، وحين تتحول الموانئ والممرات المائية إلى ساحات للمنازلة بدلًا من أن تكون جسورًا للتكامل.
وتشير المقالة إلى مفارقة الأمن والتنمية بذكاء؛ فكلا البلدين يدرك أن مشاريعه العملاقة تتطلب بيئة إقليمية مستقرة، وجوارًا آمنًا، وممرات مائية سالكة. لكن الانخراط في حروب بالوكالة، والتنافس المحموم على النفوذ في موانئ البحر الأحمر والقرن الإفريقي، يخلق بيئة طاردة للاستثمار. إن هذا التمدد الاستراتيجي المفرط يستنزف الموارد، ويحول دون توحيد الصفوف أمام التحديات الحقيقية.
لا يقتصر تأثير هذا التنافس على البلدين فحسب، بل يمتد ليشعل فتيل الأزمات في المنطقة. ففي اليمن، يتداخل التنافس مع الانقسام الداخلي؛ فبينما تركز الرياض على أمن حدودها ودعم الحكومة الشرعية، تركز أبوظبي على تأمين الممرات البحرية ومواجهة التيارات الإسلامية عبر تحالفات جنوبية.
وفي السودان، يهدد تباين المواقف بإطالة أمد الحرب الأهلية. وهنا تكمن الخطورة الكبرى حيث يستفيد أعداء البلدين والمنطقة من هذا النزاع؟ إن الانقسام الخليجي هو الهدية الثمينة لكل من يسعى لزعزعة أمن العرب. إيران وأذرعها في المنطقة تبتسم حين ترى الجبهة الداخلية الخليجية تتصدع؛ فالحوثيون في اليمن يستغلون هذا التباين في قراءة الملف اليمني لتمديد أمد الصراع..
والجماعات الإرهابية والمتطرفة في السودان والقرن الإفريقي تتغذى على الفوضى لتمديد جذورها. حين ينشغل الشقيقان ببعضهما، يفرغ الميدان للأعداء، وتضيع المظلة الأمنية التي كانت تشكل رعبًا للمعتدين.
وفي قلب هذا الزخم، تقف مصر؛ الدولة التي ترتبط بالرياض وأبوظبي بروابط الدم والمصير والتاريخ. مصر لا يمكنها أن تختار شقيقًا وتخسر الآخر، كما لا يمكنها أن تقف على الحياد بين استقرار الدولة وتفككها. إن أخطر ما يواجه مصر في هذا المشهد هو أن تتحول إلى "ساحة مزاد" تُباع فيها الأصول تحت ضغط الحاجة، أو أن تُجر إلى مربع التجاذبات التي تضر بمصالحها الوطنية.
مصلحة مصر تكمن في استقلال القرار؛ في علاقة وثيقة ونضجة مع العاصمتين، تقوم على الفصل بين الخلافات السياسية والتعاون الاقتصادي والأمني. فالشراكة الناضجة لا تشترط التطابق المطلق، وإنما القدرة على إدارة الاختلاف باحترام.
إن مصر، بثقلها التاريخي ووعيها الاستراتيجي، مدعوة اليوم للعب دور العقل المدرك والجسر الواصل، وليس مجرد متفرج أو مستفيد. ويمكن أن يتجلى دورها في عدة محاور:
أولًا: الدبلوماسية الهادئة والحوار العملي..
تستطيع مصر أن تطرح مبادرات حوارية تركز على تقليل الضرر في الملفات المشتعلة كاليمن والسودان وأمن الملاحة في البحر الأحمر. قوتها هنا تكمن في وضوح مصالحها وثباتها، حيث يمكن للقاهرة أن تقول لكلا الطرفين بحكمة: الموانئ تفقد قيمتها حين تحترق السواحل.
ثانيًا: التكامل الاقتصادي كبديل للتنافس..
بدلًا من أن تكون مصر ساحة تنافس، يجب أن تدعو رأس المال السعودي والإماراتي إلى مشروعات مشتركة داخل مصر. فإذا تمكنت القاهرة من دمج التكنولوجيا والتمويل الإماراتي مع السوق والعمالة والموارد السعودية في مشاريع إنتاجية مصرية، فإن المصالح الاقتصادية ستتحول إلى جسور تربط الشقيقين، وتقلل من حدة الاحتكاك المباشر بينهما.
ثالثًا: التذكير بالمصير المشترك..
على المنصات الدبلوماسية والإعلامية المصرية، يجب أن يظل الخطاب موجهًا نحو تعظيم المكاسب المشتركة. فالاقتصاد الإقليمي يتسع لأكثر من مركز مالي ناجح، والاستثمار ليس رغيفًا ثابتًا يقتضي اقتسامه جوع أحد الطرفين.
إن مقال الايكونوميست هو جرس إنذار، وليس حكمًا نهائيًا على العلاقات الخليجية. فالنزاع الحالي هو نتاج توسع في الطموح وضيق في صيغة الشراكة القديمة، وهو أمر قابل للمعالجة بالحكمة والرؤية الثاقبة. إن الهدف الأسمى يجب أن يبقى دائمًا هو مصلحة البلدين؛ فالسعودية والإمارات توأمان في الأمن، وشريكان في الجغرافيا، ومتكاملان في الاقتصاد.
ومن مصلحة المنطقة بأسرها أن تعود الرياض وأبوظبي إلى فضاء التكامل، حيث يتنافس الشقيقان على بناء المستقبل، لا على إطفاء الحرائق. ومصر، بعمقها الاستراتيجي، هي الأقدر على تذكير الجميع بأن قوة الخليج تكمن في وحدته، وأن انتصار أحدهما على الآخر هو في الحقيقة هزيمة للجميع، وانتصار حقيقي للأعداء الذين يترصدون بنا.
* أستاذ الاقتصاد الفخري بجامعة ولاية أوهايو وجامعة النيل
