رئيس التحرير
عصام كامل

التعفن الاصطناعي وسيطرة الآلة..

هل نتحول إلى عبيد لأدوات الذكاء الجديدة؟

18 حجم الخط

في عام 2024 اختارت جامعة أكسفورد عبارة التعفّن الدماغي (Brain Rot) على أنها كلمةَ العام. لم تكن مصادفة، بل كانت اعترافًا جماعيًا بما نشعر به جميعًا دون أن نجرؤ على تسميته: ذلك التخدير الذهني الذي يصيبنا بعد ساعات من المشاهدة الروتينية البلهاء بين مقاطع فيديو قصيرة، فنقوم من أمام الجهاز وقد استهلكنا طاقتنا واستهلكنا حواسنا واستهلكنا كل شيء ولم نتذكر شيئًا. 

 

المصطلح لا يصف مرضًا طبيًا بالمعنى الدقيق، لكنه يصف حالة حقيقية: تراجع التركيز والذاكرة والصبر، نتيجة الإفراط في مشاهدة محتوى سريع، تافه، مصمَّم ليبقيك مشدودًا لا ليجعلك أفضل أو أكثر ذكاءا ومعرفة. وتؤكد الباحثة "جلوريا مارك"، أستاذة المعلوماتية في جامعة كاليفورنيا، إن متوسط الوقت الذي يبقى فيه الإنسان على شاشة واحدة قبل أن ينتقل إلى غيرها قد أنخفض من نحو دقيقتين ونصف في أوائل الألفية إلى قرابة 47 ثانية في السنوات الأخيرة. أثر الفراشة تغير معناه هنا ليعني أننا نحط على كل زهرة لحظة ولا نرتشف من أي رحيق ولا ننتج أي عسل!


وفي الجانب النفسي، تصنع المنصات مرآة مشوَّهة: حيث نرى معيشة لامعة مصقولة بالفلاتر لأخرين لا نعرفهم أو نسمع عنهم، فنقارن كواليس أيامنا بأفضل لحظات غيرنا ويبدأ الاكتئاب والغضب أو نكون محل للقيل والقال والحسد.

 
ولكن الخطورة الأكبر تأتى من هذا الضيف الجديد الذي أصبح يغزو بيوتنا وأماكن عملنا وأهم من ذلك عقولنا.  هذه الألة التي أصبحت تفكر لنا وتفكّر عنا. أدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت تلخّص وتترجم وتكتب وتشرح في ثوانٍ. أنها تقوم مقام عقولنا، ولكن العقل كالعضلة، ما لا يُستعمل يضمر.  أو كما يقول الامريكان (  (USE IT OR LOSE IT  أما تستخدمه أو تفقده.. 

 

وقد دقّت دراسة من مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتقنية عام 2025 جرس إنذار؛ إذ قارنت نشاط أدمغة طلاب يكتبون مقالات بأنفسهم بآخرين يستعينون بأداة ذكاء، فظهر عند المعتمدين على الآلة نشاط عصبي أقل، وصعوبة أكبر في تذكّر ما كتبوه. 

دراسة مبكرة وصغيرة تحتاج إلى مزيد من البحث، لكنها تنسجم مع ما سبق أن عرفناه عن الأثر الرقمي للنسيان: نحن ننسى ما نثق بأن الجهاز سيحفظه لنا. وفي السياق نفسه، وجدت دراسة لمايكروسوفت وجامعة كارنيجي ميلون أن من يثقون كثيرًا بمخرجات الذكاء الاصطناعي يبذلون جهدًا أقل في التفكير النقدي.

 

وكما ذكرنا في مقالات سابقه. أن الآلة قد تخطئ، وتؤلّف معلومات لا أصل لها وبثقة وثبات. ومن سلّم عقله لها بلا مراجعة، سلّم نفسه للخطأ وهو مطمئن. وهي لا تملك ضميرًا ولا تجربة ولا ذوقًا، فمن يستعيرها في كل كلمة يفقد صوته الخاص، ويصبح مجرد بوقا لنص جاهز.

 

والآن خذ هذا المثال: في صباح ليس ببعيد، استيقظ صديقي كارم وفتح هاتفه، لا ليكتب لصديقه محمود رسالة تهنئة بنجاح ولدة في الثانوية، بل ليأمر الآلة ان تكتبها عنه. ولما كتبتها الآلة قراها بعين كسلى، لم يغير فيها حرفا، وارسلها. وفي الجانب الاخر من المدينة، فتح محمود الرسالة، فلم يقرأها هو ايضا، بل أرسلها على الفور للأداة الذكية التي يستخدمها قائلا: لخصيها واكتبي ردا مناسبا. فردت الآلة على الفور، وأرسل الرد دون أن يقرأه. وهكذا، تكلم اثنان، ولكن لم يقل فعليا أحد منهما شيئا.

 

هذا ليس خيالا. إنه الغد القريب جدا (في الحقيقة هو اليوم لدى قطاعات عريضة من السكان) والذي نسير إليه أو نعيش فيه بخطوات واثقة، نسميها تقدما ونسمي كسلنا كفاءة. ادوات الذكاء الاصطناعي جاءت لتعين العقل، فاذا القى العقل اليها مفاتيحه وأعتبر هذه الأدوات الخادم الامين، وجلس في مقعد السيد الوثير المريح  فأنا أحذر: إذا أستمرينا هكذا فسننسى كيف نقوم.

 

تأملوا ما يحدث حين يستسهل الجميع ان تكتب الآلة عنهم. الطالب يطلب منها أجابه، والموظف يطلب منها تقريرا، والعاشق يطلب منها رسالة حب. ثم ماذا؟ ثم ينسى الجميع كيف يفكرون. فالكتابة ليست رص كلمات؛ الكتابة هي أن تصارع الفكرة حتى تنضج، أن تتعثر بجملة فتعيدها ثلاث أو أربع مرات، أن تشعر بألم المحاض والولادة الكتابية المتعثرة. هذا الألم هو الذي يصنع العقل ويدربه ويمرنه ويكبر معه. حين نعفي أنفسنا من هذه الالام، نعفي أنفسنا من النمو والخبرة والمهارات والتفكير برمته.
 

تخيّلوا أيضا كارثة صغيرة لابد وأن تحدث قريبا فتذكروني. انقطاع في النت أو توقف للخوادم. يوم واحد بلا أدوات. موظف يريد أن يكتب بريدا لزميله. يحدق في الشاشة أمامه. عشر دقائق. عشرون. لا جملة تتشكل. كان يظن أنه يعرف كيف يكتب، لكنه أكتشف أنه أصبح يعرف كيف يطلب فقط. 

طالب في امتحان وأمامه ورقة الإجابة. يده ترتجف. نسى كل شيء. نسى حتى كيف يكتب الكلمة وكيف يصوغ الجملة.. ناهيك عن أجابه سؤال يحتاج تفكير (الذي سيصبح سلعة نادرة).. هذا هو المجتمع الذي نسير إليه. ليس مجتمعا بلا كتب. بل مجتمع بلا اصوات. كل فرد فيه صدى لصوت لا وجه له. كل رسالة فيه نسخة من نسخة. كل احساس فيه مُصاغ سلفا، مُعلّب، مزخرف ليبدو حقيقيا وهو اجوف.

والأضرار ليست في ضعف الذاكرة فقط، ولا في تراجع التفكير النقدي فقط. الضرر الأكبر أن الانسان يفقد ذاته.    دعني أذكر مرة أخرى دراسة معهد ماساتشوستس للتقنية عام 2025 التي تؤكد أن أدمغة من يكتبون بأيديهم تشتعل نشاطا، بينما ادمغة من يعتمدون على الألة تكاد تسكن وتهمد. هذا ليس ذكاءا اصطناعيا هذا غباءا طبيعيا وتشييع بطيء لملكات انسانية اكتسبناها على مدار الاف السنين ونقتلها بأنفسنا بدعوى التقدم والكفاءة.

 * أستاذ الاقتصاد الفخري بجامعة ولاية أوهايو وجامعة النيل.

الجريدة الرسمية