رئيس التحرير
عصام كامل

الإفتاء: من تتبع عورات الناس وشهر بهم ارتكب جنايتين ولزمه التوبة والكفارة

دار الإفتاء
دار الإفتاء
18 حجم الخط

 أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال ورد إليها عبر موقعها الرسمي على فيس بوك عن الحكم الشرعي فيمن يتتبع عورات الناس والتشهير بهم.

وقالت دار الإفتاء إن الإسلام دين أتى بما يتمّم مكارم الأخلاق؛ فقد دعا إليها وحرص على تزكية نفوس المسلمين وتحليتها بالخصال الحسنة والأعمال الصالحة، وعلى تنزيهها عن الخصال المذمومة وسيئ الأعمال؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» أخرجه أحمد في "مسنده"، والبخاري في "الأدب المفرد"، والنصوص الدينية التي تحث المسلم على ستر أخيه وتحذره من تتبع عوراته وزلاته كثيرة، ومنها قوله صلى الله عليه وآله سلم: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه، ومعنى الستر هنا عامٌّ لا يتقيد بالستر البدني فقط أو الستر المعنوي فقط، بل يشملهما جميعًا.

 قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في "شرح النووي على صحيح مسلم": [وَأَمَّا السَّتْرُ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ هُنَا فَالْمُرَادُ بِهِ السَّتْرُ عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ مَعْرُوفًا بِالْأَذَى وَالْفَسَادِ، فَأَمَّا المعروف بذلك فيستحب أن لا يُسْتَرَ عَلَيْهِ، بَلْ تُرْفَعَ قَضِيَّتُهُ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةً؛ لِأَنَّ السَّتْرَ عَلَى هَذَا يُطْمِعُهُ فِي الْإِيذَاءِ وَالْفَسَادِ وَانْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ وَجَسَارَةِ غَيْرِهِ عَلَى مِثْلِ فِعْلِهِ] اهـ.، إن التشهير بما تمَّ الحصول عليه من خلال تتبع عورات الآخرين وانتهاك حياتهم الخاصة والتلصّص على أحوالهم وتحسس أفعالهم، وبَثُّهُ أو شيء منه، وجعلُ ذلك عرضة للتداول بين الناس أيًّا كانت الوسيلة إلى ذلك: فإنه يُعدُّ هتكًا لستر الآخرين، وهو فعلٌ محرمٌ شرعًا، وموجب للإثم والعقوبة إن لم يلحقه توبة.

التجسس لتحقيق الثراء السريع


وأكدت دار الإفتاء المصرية أن التجسس على الآخرين بهدف تحقيق الغنى والثراء، أو لأي غرض آخر، حرام شرعًا، مشددة على ضرورة الالتزام بالأخلاق الإسلامية التي تحافظ على خصوصية الآخرين وتصون العلاقات الإنسانية من سوء الظن والتباغض والحسد.

 

وأوضحت دار الإفتاء، من خلال هذا التوجيه، أن السعي وراء المال أو الثراء لا يبرر انتهاك خصوصية الآخرين أو التعدي على شؤونهم، إذ ينبغي أن يكون الكسب قائمًا على الطرق المشروعة، مع الالتزام بالقيم والأخلاق التي دعا إليها الإسلام.

 

خطورة تتبع عورات الناس 
 

وتابعت دار الإفتاء أنه من الصفات السيئة التطفل بتتبع عورات الآخرين، والتشوف للاطلاع على عيوبهم الخُلُقية أو الخِلقية، بمتابعة البحث والتفتيش عما خفي من أمورهم، وما يستحون من إظهاره، ويستنكفون من اطِّلاع الآخرين عليه، صوابًا كان أو خطأ، فتتبع ذلك على سبيل الفضول، أو بقصد الإضرار بإنسان غير متهم بجريمة يعتبر في الأصل من التجسس المحرَّم، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12].


فلا يجوز للمسلم تتبع عورات الناس وعيوبهم، فهذا مما يؤذيهم بغير وجه حق، ويؤذي كذلك المجتمع الذي يعيشون فيه؛ فما شاعت المعاصي والفواحش في مجتمع إلا دب فيه الانحلال وانتشرت الكراهية وعمَّ الفساد، ومن هنا شدَّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تنبيه المسلمين إلى خطورة الخوض في أعراض الناس، والتنقيب عن عوراتهم، مخبرًا من يستهين بذلك بأنه يسعى لهتك الستر عن نفسه، وفضحه في جوف بيته، فعَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللهِ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِى بَيْتِهِ» أخرجه أحمد في "مسنده".


وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» رواه مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَوْمًا إِلَى البَيْتِ أَوْ إِلَى الكَعْبَةِ فَقَالَ: "مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ مِنْكِ" رواه الترمذي في "سننه".

كيفية التوبة من تتبع عورات الناس


وأوضحت دار الإفتاء أن من يفعل ذلك من المسلمين فيتتبع عورات الناس فعليه بالتوبة من ذلك، فالتوبة من المعصية واجبة شرعًا باتفاق الفقهاء؛ لأنها من أهم قواعد الإسلام؛ قال الإمام القرطبي المالكي في "الجامع لأحكام القرآن"  -عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]-: [قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا﴾ أمر. ولا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة، وأنها فرض متعين،... والمعنى: وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى، فلا تتركوا التوبة في كل حال] اهـ.


و تفضل الله تعالى على عباده بقبول توبتهم والعفو عن سيئاتهم، فمتى تاب العاصي من معصيته واستغفر الله لذنبه قَبِل الله توبته وغفر له؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: 25]، وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110]، وهو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه الشريف؛ فعن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وآله وسلَّم قال: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» رواه ابن ماجه في "سننه".


والتوبة من الذنوب واجبة، وعلى المذنب أن يبادر بها؛ ليخرج من الدنيا سليمًا معافًى آملًا وراجيًا من الله عز وجل أن يتفضل عليه ويُدخله الجنة وينجيه من النار، وإذا تعلق الذنب بحقوق العباد فلا بد من التحلل من المظلمة؛ لأن الله تعالى قد يغفر ما كان من الذنوب متعلقا بحقه، ولا يغفر ما كان متعلقا بحقوق العباد، إلا إذا تحلل الظالم من المظلوم فسامحه.

وتابعت دار الإفتاء أن تتبع عورات الناس من الأمور التي تتعلق بمكانتهم بين الناس، وتؤثر على وضعهم الاجتماعي؛ ولذلك فمن ترتب على فعله إساءة لهم أو تأثير على مكانتهم فعليه أولًا التوبة بالإنابة إلى الله والعزم على عدم العودة لذلك، وعليه أن يتحلى بخلق الرحمة والستر تجاه من اطلع على عوراته وعيوبه، فلا يحمله ما اطلع عليه على بُغضه ولا على الانتقاص من قدره، وإذا علم الشخص باطلاع الآخر عليه وتتبعه لعوراته فلا بد من الاعتذار إليه وطلب المسامحة منه، لتكتمل توبة هذا المذنب.


وقد ذهب العلماء إلى وجوب اعتذار المسلم إلى من جنى عليه بالقول كالغيبة والنميمة ونحوها، ومثله تتبع عوراته إذا بلغه ذلك وتأذى به، يقول الإمام ابن قدامة الحنبلي في "مختصر منهاج القاصدين"  : [وأما كفارة الغيبة، فاعلم أن المغتاب قد جنى جنايتين: إحداهما: على حق الله تعالى، إذ فعل ما نهاه عنه، فكفارة ذلك التوبة والندم. والجناية الثانية: على محارم المخلوق؛ فإن كانت الغيبة قد بلغت الرجل جاء إليه واستحله وأظهر له الندم على فعله. 

وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَن كَانَتْ عِنْدَهُ مَظلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِن مَالٍ أَو عِرْضٍ، فَليَأْتِهِ فَلْيَستَحِلَّهَا مِنهُ قَبلَ أَن يُؤخَذ وَليسَ عِندَهُ دِرْهَمٌ وَلَا دِينَارٌ، فَإن كَانَت لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذ مِن حَسَنَاتِهِ فَأعْطِيهَا هَذَا، وَإلَّا أُخِذَ مِن سَيِّئَاتِ هَذَا فَأُلقِي عَلَيهِ». وإن كانت الغيبة لم تبلغ الرجل جعل مكان استحلاله الاستغفار له؛ لئلا يخبره بما لا يعلمه، فيُوغر صدره، وقد ورد في الحديث: «كَفَّارَةُ مَن اغْتَبتَ أَن تَسْتَغْفِرَ لَهُ». 

وقال مجاهد: كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير، وكذلك إن كان قد مات] 

 

الجريدة الرسمية